فهرس الكتاب
الوجه الخامس:
أن الله كفّر أناسًا بسبب كلام قالواه على وجه المزاح واللعب وأنزل في شأنهم: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [1] مع أنهم يصلّون وقد غزوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك لكن لما قالوا هذه الكلمة كفروا بعد إيمانهم ولم ينفعهم أنهم يصلّون ويصومون ويجاهدون.
فهذه الوجوه فيها إبطال هذه الشبهة وفي الحقيقة أنها من أعظم الشبه ولكن جوابها واضح ولله الحمد.
الوجه السادس:
إن قولهم إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون أن لا إله إلا الله ويكذّبون الرسول - صلى الله عليه وسلم - وينكرون البعث ويكذبون القرآن ويجعلونه سحرًا ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ونصدق القرآن ونؤمن بالبعث ونصلي ونصوم فكيف تجعلوننا مثل أولئك.
يجاب عنه أن الرجل إذا صدق الله في شيء وكذبه في شيء فهو كافر مرتد عن الإسلام، كمن آمن ببعض القرآن وجحد بعضه وكمن أقر بالتوحيد والصلاة وجحد وجوب الزكاة أو أقر بهذا كله وجحد الصوم أو أقر بهذا كله وجحد الحج، وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
الوجه السّابع:
أن مَن جحد وجوب الحج كفر وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلي ويصوم قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ} إلى قوله: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [2] فدلت الآيات على أن من جحد وجوب الحج كفر وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله فكيف بمن جحد التوحيد وأجاز عبادة القبور.
[ومن الدليل على ذلك أيضًا ما حكى الله تعالى عن بني إسرائيل مع علمهم وصلاحهم أنهم قالوا لموسى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} وقول أناس من الصحابة «اجعل لنا ذات أنواط» [3] فحلف النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا مثل قول بني إسرائيل لموسى: {اجْعَل لَّنَا إِلَهًا} ، ولكن للمشركين شبهة يُدلُون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك وكذلك الذين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم: ... «اجعل لنا ذات أنواط» لم يكفروا.
فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا وكذلك الذين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يفعلوا. ولا خلاف أن بني إسرائيل لو فعلوا ذلك لكفروا. وكذلك لا خلاف أن الذين نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - لو لم يطيعوه واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا وهذا هو المطلوب] أي من الأدلة على أن من ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام يكفر ولو كان يشهد أن لا إله إلا الله ويصلي ويصوم إلى غير ذلك من الأعمال، ما قصّه الله عن بني إسرائيل حين طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا كآلهة المشركين، وقصة الذين طلبوا من النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل لهم ذات أنواط، وأن النبيين الكريمين أنكرا ذلك واعتبراه شركًا يخرجهم من الملة لو فعلوه مع أنهم يؤمنون بالنبيين الكريمين ويجاهدون معهما، ثم أورد الشيخ اعتراضًا على هذا الاستدلال وهو أن بني إسرائيل الذين طلبوا من موسى أن يجعل لهم إلهًا لم يكفروا، وكذلك الذين طلبوا من محمد - صلى الله عليه وسلم -
(1) التوبة: 65 - 66
(2) آل عمران: 96 - 97
(3) رواه الترمذي في سننه 6/ 343 - 334 كتاب الفتن باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم حديث رقم (2181) ورواه الإمام أحمد في مسنده 5/ 218 حديث رقم (21947 - 21950 - 21952) بألفاظ متقاربة، وانظر البداية والنهاية لابن كثير 4/ 325 كلهم من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه