فهرس الكتاب
أن يجعل لهم ذات أنواط لم يكفروا، وأجاب عن هذا الاعتراض بأن الفريقين لم ينفذا ما قالا ولو فعلا لكفرا ولكن لما نهيا عن ذلك وبيّن لهما أنه كفر تجنبوه وانتهوا عنه. ومحل الشاهد من القصتين أن من فعل الشرك كفر وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله ويؤمن بالأنبياء ويعمل الأعمال الصالحة.
[ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري بها فتفيد التعلم والتحرز ومعرفة أن قول الجهال: التوحيد فهمناه، أن هذا من أكبر الجهل ومكايد الشيطان، وتفيد أيضًا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري فنبّه على ذلك وتاب من ساعته فإنه لا يكفر كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتفيد أيضًا أن لو لم يكفّر فإنه يغلّظ عليه الكلام تغليظًا شديدًا كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] هذه القصة فيها فوائد: الأولى الحذر من الشرك وأنه قد يدب إلى المسلمين عن طريق التقليد والتشبه بالكفار (اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة) (اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط) ففي ذلك التحذير من مجاراة الكفار والتحذير من الفتن التي تنجم عن ذلك. ومن ذلك عبادة القبور التي أحدثوها وفتنوا بها وصاروا يدعون الناس إليها. والخليل عليه الصَّلاة والسلام الذي كسر الأصنام بيده وأوذي وألقي في النار بسبب إنكار الشرك يقول: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ 35 رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} [1] خاف على نفسه عليه الصلاة والسلام من الفتنة وخاف على ذريته من الفتنة إذًا كيف يقول جاهل: إن التوحيد يمكن تعلمه في خمس دقائق والمهم عنده البحث في أمور السياسة والكلام في الحكام وفقه الواقع كما يقولون، ومعناه رصد الوقائع الدولية وتحليلاتها والانشغال بها عن التفقه في الدين.
ومنهم من ينتقد مقررات التوحيد في المدارس والمعاهد والكليات ويقول: لا داعي لهذه الكثافة في مقررات التوحيد، الناس مسلمون وأولاد فطرة وبإمكان الطلاب أن يتعلموا التوحيد من البيئة الاجتماعية .. إلخ هذيانهم الفارغ .. ولو سألت واحدًا من هؤلاء عن أبسط مسألة في التوحيد ما أجابك بجواب صحيح. أعني الذين يقولون هذه المقالة.
والفائدة الثانية: وهي فائدة عظيمة أن من نطق بكلمة الكفر عن جهل وهو لا يدري ثم نبّه وتاب من ساعته فإنه لا يكفر بدليل قصة بني إسرائيل مع موسى عليه السلام وبعض الصّحابة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو لا يكفر بذلك لكن بهذين الشرطين:
الشرط الأول: أن يكون قال هذا الكلام عن جهل ولم يتعمد.
الشرط الثاني: أن يتوب من ساعته ويترك هذا الشيء إذا تبيّن له أنه كفر.
فهذا لا يضره الكلام الذي قاله وهذا جواب عن شبهتهم التي سبقت وهي أنهم يقولون إن بني إسرائيل لم يكفروا وأصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكفروا بهذه الكلمة. نقول لهم إنهم لم يكفروا لأنهم قالوها عن جهل ونبهوا وتركوها وتابوا إلى الله عز وجل، أما أنتم فتنبّهون بالليل والنهار وتصرون على دعاء القبور والصالحين ولا تصغون أسماعكم لما يقال لكم تكبرًا وعنادًا.
والفائدة الثالثة: تفيد هذه القصة أن من لم يكفر بكلمة الكفر إذا قالها جهلًا فإنه لا يتساهل معه بل يغلَّظ عليه في الإنكار كما غلّظ موسى عليه السلام على قومه وكما غلظ محمد - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه الذين قالوا هذه المقالة من باب الزجر والتحذير لاجتناب ذلك والحذر منه.
(1) إبراهيم: 35 - 36