فهرس الكتاب
نَادِمِينَ [1] وكان الرجل كاذبًا عليهم [2] ، فكل هذا يدل على أن مراد النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأحاديث ما ذكرناه] هذه شبهة من شُبه المشركين عباد القبور الذين يدّعون الإسلام ويزعمون أن عبادة القبور والاستغاثة بالأموات ودعاء الغائبين لتفريج الكربات، أن هذه أمور لا تضر ولا تخرج من الإسلام ما دام صاحبها يقول لا إله إلا الله بدليل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنكر على أسامة بن زيد رضي الله عنهما لما قتل رجلًا من المشركين أظهر الإسلام وقال لا إله إلا الله فقتله أسامة بعد ذلك ظانًا أنه إنما قالها ليسلم من القتل، فأنكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فاستدلوا بهذه القصة على أن من قال لا إله إلا الله فهو مسلم ولو فعل ما يناقضها من أنواع الشرك الأكبر وكذلك استدلوا أيضًا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز وجل» [3] قالوا فهذا دليل على أن من تلفظ بهذه الكلمة لا يقتل ولو فعل ما فعل من أنواع الشرك في العبادة مع الأموات والأضرحة وصرف العبادات لغير الله ما دام أنه يقول لا إله إلا الله. هذا حاصل شبهتهم وهي شبهة خطيرة إذا سمعها الجاهل ربما تروج عليه لا سيما أنهم طلوها بطلاء خادع وهو الاستدلال بالأحاديث الصحيحة لكن في غير موضعها. وقد أجاب الشيخ رحمه الله عن هذه الشبهة بستة أجوبة مجملها:
الجواب الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاتل أناسًا يقولون لا إله إلا الله، فقاتل اليهود وهم يقولون لا إله إلا الله وقاتل الصحابة بني حنيفة وهم يقولون لا إله إلا الله لما ظهر منهم ما ينافي هذه الكلمة، ولم تنفعهم هذه الكلمة ولم تكن مانعة من قتلهم.
والجواب الثاني: في بيان تناقض هؤلاء لأنهم يقولون من أنكر الصلاة أو الزكاة والحج أو أنكر البعث والنشور يكفر عندهم، وأما من أنكر التوحيد فإنه لا يكفر عندهم.
والجواب الثالث: أن معنى حديث أسامة بن زيد ليس كما فهموا أن من قال لا إله إلا الله يكون مسلمًا ولو فعل الشرك والكفر. وإنما معناه أن من قال لا إله إلا الله وجب الكف عنه حتى يظهر منه ما يخالف مدلول هذه الكلمة من كفر أو شرك.
والجواب الرابع: أن الله سبحانه وتعالى قال: {إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [4] .
فأمر سبحانه وتعالى بالتبيّن يعني التثبّت بشأن من قال لا إله إلا الله فما فائدة التثبّت إذا كان لا يقتل إذا قالها.
والجواب الخامس: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بقتل الخوارج وهم من أشد الناس عبادةً وخوفًا من الله وورعًا، بل هم تتلمذوا على الصحابة ومع هذا أمر بقتلهم لما فعلوا أشياء تتنافى مع الإسلام وهم يقولون لا إله إلا الله وهم أشد الناس عبادة وصلاة وتلاوة للقرآن.
والجواب السادس: قصة بني المصطلق وهم قبيلة دخلوا في الإسلام وأرسل إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - المصدق لجباية الزكاة ولكنه لم يذهب إليهم بل رجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال إنهم منعوا الزكاة فهَمَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - بغزوهم فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [5] .
(1) الحجرات:6
(2) انظر تفسير ابن كثير 4/ 210 - 211
(3) تقدم
(4) الحجرات:6
(5) الحجرات:6