فهرس الكتاب
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - همّ بغزوهم وقتالهم وهم يقولون لا إله إلا الله لماذا؟ لما بلغه أنهم منعوا الزكاة فمنع الزكاة يتنافى مع قول لا إله إلا الله هذا ملخص أجوبة الشيخ رحمه الله عن هذه الشبهة الخطيرة.
[ولهم شبهة أخرى وهي ما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى فكلهم يعتذر حتى ينتهوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالوا فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
فالجواب أن نقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه، فإن الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه لا ننكرها كما قال في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [1] وكما يستغيث الإنسان بأصحابه في الحرب وغيرها من الأشياء التي يقدر عليها المخلوق ونحن أنكرنا استغاثة العبادة التي يفعلونها عند قبور الأولياء أو في غيبتهم في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله.
إذا ثبت ذلك، فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة يراد منها أن يدعوا الله أن يحاسب الناس حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة أن تأتي عند رجل صالح حي يجالسك ويسمع كلامك وتقول له: ادع الله لي، كما كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألونه ذلك في حياته، وأما بعد موته فحاشا وكلا أنهم سألوه ذلك عند قبره، بل أنكر السَّلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه] هذه شبهة أخرى من شبههم وهي أنهم يقولون إنه ثبت في الحديث الصحيح حديث الشفاعة العظمى [2] ، أن الناس يوم القيامة إذا طال عليهم الوقوف والقيام على أقدامهم خمسين ألف سنة والشمس قد دنت منهم فالخلائق كلهم مجموعون من أولهم إلى آخرهم في زحام شديد والشمس على رؤوسهم قريبة منهم وهم واقفون على أقدامهم، فعندما يحصل لهم هذا الكرب يتذاكرون الشفاعة عند الله عز وجل فيرون أن الأنبياء هم أول الذين يشفعون عند الله فيأتون إلى آدم يطلبون منه أن يشفع عند الله لهم ليريحهم من الموقف فيعتذر عليه الصَّلاة والسَّلام بسبب ما حصل منه من الخطيئة مع أنه تاب منها وتاب الله عليه ولكن يستحي من الله عز وجل، ثم يأتون إلى نوح أوَّل الرسل فيعتذر، ثم يأتون إلى موسى فيطلبون منه فيعتذر، ثم يأتون إلى عيسى عليه السّلام آخر أنبياء بني إسرائيل فيعتذر لأن الموقف موقف عظيم أمام الله سبحانه وتعالى، ثم يأتون إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فيقول - صلى الله عليه وسلم: أنا لها أنا لها، ثم يأتي ويسجد بين يدي ربه ويحمدُ الله ويثني عليه ويدعوه ويستمر ساجدًا بين يدي ربه حتى يقال له يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفّع [3] ،لأنه لا أحد يشفّع عند الله إلا بإذنه والرسول ما ذهب إلى الله وشفع ابتداءً بل استأذن من ربه وسجد بين يديه حتى أذن له وهذا كقوله تعالى: {مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} [4] فيطلب من الله أن يفصل بين عباده ويريحهم من الموقف فيستجيب الله شفاعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وهذه تسمى الشفاعة العظمى والمقام المحمود وهي قوله تعالى: {عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} [5] بمعنى أنه يحمدُه عليه الأولون والآخرون. قال القبوريون فهذا فيه جواز الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والصالحين وأنتم تقولون لا يستغاث إلا بالله وقالوا فهذا يدل على أن طلب الشفاعة من الرسول - صلى الله عليه وسلم - جائز حيًا وميتًا وكذلك غيره.
(1) القصص:15
(2) سيأتي
(3) رواه الإمام البخاري في صحيحه 8/ 172 - 173 كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: {لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(4) البقرة:255
(5) الإسراء:79