فهرس الكتاب
والجواب عن هذا كما يقول الشيخ إن هذا طلب من إنسان حي قادر على الدعاء وعلى الاستئذان بالشفاعة والطلب من الإنسان في حال حياته وقدرته ليس من الممنوع كما في قصة موسى: {فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} [1] .
وكما يستغيث الإنسان بإخوانه في الحرب وغيرها.
فهذا فيه دليل على أن الاستغاثة بالحي فيما يقدر عليه جائزة والذي يقع من الأمم يوم القيامة هو استغاثة بالحي وطلب الدعاء منه فيجوز أن تذهب إلى إنسان حي قادر يسمع كلامك وتقول يا فلان ادع الله لي بكذا وكذا، والصحابة كانوا يعملون هذا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حياته وليس هذا من الشرك، إنما الذي يكون شركًا وأنكرناه هو الاستغاثة بالميت وهذا لا علاقة له بحديث الشفاعة لأنكم تستغيثون بأموات وتطلبون الشفاعة منهم، والأموات لا يقدرون على شيء فلا يجوز أن يذهب إلى قبر يستنجد به ويدعوه أو يطلب منه الدعاء أو الشفاعة أو غير ذلك ففيه فرق بين عمل هؤلاء المشركين وبين ما في الحديث الصحيح وفي قصة موسى عليه الصّلاة والسّلام فبهذا التفصيل زالت هذه الشبهة والحمد لله.
[ولهم شبهة أخرى وهي قصة إبراهيم عليه السّلام لما ألقي في النّار اعترض له جبريل في الهواء فقال له ألك حاجة؟ فقال إبراهيم: أما إليك فلا[2] فقالوا: فلو كانت الاستغاثة بجبريل شركًا لم يعرضها على إبراهيم.
فالجواب: أن هذا من جنس الهيئة الأولى فإن جبريل عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه فإنه كما قال الله تعالى فيه: {شَدِيدُ الْقُوَى} [3] فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم وما حولها من الأرض والجبال ويلقيها في المشرق أو المغرب لفعل، ولو أمره أن يضع إبراهيم عليه السلام في مكان بعيد عنهم لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني له مال كثير يرى رجلًا محتاجًا فيعرض عليه أن يقرضه أو أن يهبه شيئًا يقضي به حاجته فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ ويصبر حتى يأتيه الله برزق لا منّة فيه لأحد، فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك لو كانوا يفقهون؟]هذه آخر الشبهات التي ذكرها الشيخ في هذه الرسالة العظيمة فأجاب عنها بجواب سديد موفّق وهي أن عبَّاد القبور الذين يطلبون المدد من الأموات ويستغيثون بهم يقولون إن هذه الاستغاثة ليست شركًا وذلك بدليل قصة جبريل عليه السلام مع إبراهيم عليه السلام حينما ألقي في النار فإن جبريل جاء إلى إبراهيم كما يروى [4] فقال جبريل لإبراهيم عليه السلام: هل لك من حاجة يعرض عليه المساعدة لإنقاذه، وجبريل عليه السلام لا شك ذو قوة عظيمة. وعنده قدرة على إنقاذ إبراهيم. وقد وصفه الله عز وجل فقال: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ} [5] وفي الآية الأخرى {ذُو مِرَّةٍ} يعني قوة، فعرض جبريل على إبراهيم أن يساعده في إخراجه من هذه الشدة، فلمّا كان إبراهيم عظيم الثقة بالله عز وجل قال له: أما إليك فلا وأما إلى الله فنعم. فإبراهيم عليه السلام لم يرد أن يطلب من مخلوق أن ينقذه من هذه الشدة وإنما توجه إلى ربه كما صح في الحديث أنه قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» [6] فهذا من باب التوكل على
(1) القصص:15
(2) ذكر هذا الأثر ابن كثير عن بعض السلف كما في البداية والنهاية 1/ 146 في قصة إبراهيم خليل الرحمن
(3) النجم:5
(4) وفي ثبوته نظر
(5) التكوير: 20
(6) رواه الإمام البخاري في صحيحه 5/ 172 كتاب تفسير القرآن باب «إن الناس قد جمعوا لكم .. الآية» من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه.