الصفحة 46 من 49

الله عز وجل وتفويض الأمر إليه وهذه صفة أكمل الخلق إيمانًا حيث إن إبراهيم رفض مساعدة المخلوق وقبل مساعدة الخالق، لأن مساعدة المخلوق فيها منّة وحاجة إلى المخلوق ومساعدة الخالق سبحانه وتعالى لا منّة فيها لغير الله، وهي فضل من الله سبحانه وتعالى، وجبريل عرض على إبراهيم شيئًا يقدر عليه وهو عرض من حي حاضر قادر كما يعرض الغني على الفقير مساعدته بالمال، وليس هذا من جنس الاستغاثة بالأموات أو الغائبين الذين يستغيث بهم القبوريون، فإن الأموات لا يستغاث بهم ولا يقدرون على ما طلب منهم ولا يسمعون دعاء من دعاهم كما قال تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ، وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [1] وقال تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ، إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} [2] .

[ولنختم الكلام إن شاء الله تعالى بمسألة عظيمة مهمة جدًا تفهم مما تقدم ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها ولكثرة الغلط فيها فنقول: لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا لم يكن الرجل مسلمًا فإن عرف التوحيد ولم يعمل به فهو كافر معاند كفرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس، يقولون هذا حق ونحن نفهم هذا ونشهد أنه الحق ولكن لا نقدر أن نفعله ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار كما قال تعالى: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا} [3] وغير ذلك من الآيات كقوله: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [4] .

فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا وهو لا يفهمه ولا يعتقده بقلبه فهو منافق وهو شر من الكافر الخالص: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ} [5] .

وهذه المسألة مسألة كبيرة طويلة تبيّن لك إذا تأملتها في ألسنة النّاس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به لخوف نقص دُنيا أو جاه أو مداراة وترى من يعمل به ظاهرًا لا باطنًا فإذا سألته عمّا يعتقد بقلبه فإذا هو لا يعرفه] ختم الشيخ رحمه الله هذه الرسالة بمسألة عظيمة مهمة يجب تفهمها وتعقُّلها لأنه إذا فهمها الإنسان فإنه يدرك أخطاء الناس في العقيدة. وهذه المسألة هي: أن التوحيد يكون بالقول والعمل والاعتقاد، لابد من هذه الأمور الثلاثة فإذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة صار الإنسان موحدًا مؤمنًا بالله ورسوله وإذا اختل واحدٌ منها لم يكن مؤمنًا ولا موحدًا. وهم في هذا أصناف: الصنف الأول من يعتقد التوحيد بقلبه ويعرف أنه لا إله إلا الله وأن عبادة ما سواه باطلة ولكنه لا يعمل به بجوارحه ولا يقرُّ به بلسانه لطمع دنيوي فهذا كافر مثل فرعون فإن فرعون كان معترفًا بالتوحيد في قلبه وأن ما جاء به موسى هو الحق ولكنه ترك العمل به وتظاهر بخلافه وجحده تكبرًا وعنادًا كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [6] .

(1) سبأ: 22 - 23

(2) فاطر: 13 - 14

(3) التوبة:9

(4) البقرة:146

(5) النساء:145

(6) النمل:14

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت