فهرس الكتاب
وقال موسى عليه السّلام لفرعون: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ} [1] لقد علمت أي عرفت بقلبك ما أنزل هذه الآيات التي جئتك بها إلا رب السماوات والأرض بصائر للناس فهذا دليل على أن فرعون كان مستيقنًا بقلبه صدْق ما جاء به موسى عليه السلام وإنما جحد ذلك وتظاهر بجحده كحال كفار قريش الذين قال الله فيهم: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} [2] دلت الآية على أن كفار قريش يصدقون بالرسول بقلوبهم ولكن يجحدون ذلك بظواهرهم وألسنتهم وكما قال الله سبحانه وتعالى في اليهود: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [3] يعرفون هذا بقلوبهم ويتظاهرون بالكتمان والجحود مع تيقنهم في قلوبهم بأن محمدًا رسول الله، وأنه جاء بالحق من عند الله عز وجل ولكن منعهم الكبر والحسد من اتباعه، واعتقادهم بقلوبهم لا ينفعهم فهم كفار مخلّدون في النار. وكثير من عبَّاد القبور اليوم على هذا، يقولون: نعرف أن الذي تقولون هو التوحيد ولكن ما نقدر أن نخالف أهل بلدنا لأن أهل بلدنا عندهم أضرحة واستغاثة بالأموات ولا نقدر أن نخالفهم لأجل أن نعيش معهم ولا نقدر على مجابهة الناس فهم يوافقون الكفار والمشركين على عقائدهم، إما أن يفعلوا مثل فعلهم وهم يعتقدون بطلان ذلك وإما أن لا ينكروا عليهم ولا يبيّنوا الحق بل ربما يدافعون عنهم، وهذا هو واقعهم الآن. ويقولون لمن دعاهم إلى الحق هذا الرجل خارجي وهذا الرجل جاء بمذهب خامس، وهم يعتقدون أن ما جاء به هو ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو مقتضى الكتاب والسنة، يعرفون هذا وإنما حملهم الحسد أوالكبر أو الطمع في أمور الدنيا لأنهم يظنون أنهم إذا وافقوا على هذا الحق وقبلوه سيخسرون رئاستهم ويخسرون أموالهم ويخسرون جاههم عند الناس. والصنف الثاني من وافق في الظاهر ونطق بالتوحيد وقال هذا هو الصحيح وهذا هو الحق وصلى وصام وصار مع المسلمين لكن في قلبه لا يعتقد هذا ويعتقد أن هذا خرافات وأنه تقاليد بالية، فهو لم يعمل به ولم يتكلم به إيمانًا وإنما عمل به وتكلم به نفاقًا كحالة المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} [4] .
فالناس مع التوحيد ثلاثة أقسام:
القسم الأول: من يعرفه ويؤمن به باطنًا ويجحده ظاهرًا وينكره.
القسم الثاني: من يتكلم به ويعمل به ظاهرًا وينكره ويكفر به باطنًا. وهم المنافقون.
القسم الثالث: من يعتقده باطنًا ويعمل به ظاهرًا وباطنًا. والقسمان الأولان كافران خاسران والقسم الثالث مؤمن مفلح.
[ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله أولاهما ما تقدم من قوله: {لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} [5] فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح، تبيّن لك أن الذي يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفًا من نقص مال أو جاه أو مداراة لأحد، أعظم ممن تكلم بكلمة يمزح بها.
(1) الإسراء:102
(2) الأنعام:33
(3) البقرة:146
(4) المنافقون: 1 - 2
(5) التوبة:66