الصفحة 18 من 188

الأول: المرجئة. حيث التزموا أن الكفر في الظاهر لا يستلزم الجزم بالكفر في الباطن، بل هو مجرد كفر دلالة. وأن عدم الجزم

ص 28

بالتكفير في الباطن ليس لاحتمال الخطأ في حكم مَنْ حكم عليه بالكفر في الظاهر، وإنما لعدم التلازم بين الظاهر والباطن عندهم، وأن الإيمان قد يكون متحققًا - بل وكاملًا - في الباطن مع الحكم على الظاهر بالكفر.

ولهذا اضطر فريق منهم أن يقولوا إن من حكمنا بكفره فلابد أن يكون مكذبًا في الباطن، فناقضوا الضروريات، ثم احتاروا في حقيقة كفر المصدق للرسول صلى الله عليه وسلم المحكوم بكفره، كأبي طالب ونحوه، فقسموا التصديق إلى اضطراري واختياري، وكذلك التكذيب.

ولو أصلحوا الأصل الذي هو أساس خطئهم، والتزموا بالحقيقة الشرعية للإِيمان التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم، وفهمها الصحابة وعليها عموم الأمة، لم يكن من داعٍ إلى أن يلتزموا بتلك الالتزامات الباطلة.

وأما الفريق الآخر الذي ضل في مسألة تكفير المعين فهم الذين يكفِّرون بمجرد الفعل الظاهر دون نظر إلى تحقق شروط أو انتفاء موانع. فلم يعذروا بالجهل ولا بالتأول، وجعلوا من تلبس بشيء من مظاهر الشرك مشركًا مرتدًا، وإن اعتذر بالجهل فهو كافر أصلي، لم يتحقق عنده أصل الدين، ولم يكن له إسلام بالمرة.

وقد اضطرب كثيرون في الإِعذار بالجهل والتأول خاصة، حتى جعل بعض الناس العذر بالجهل أصلًا مطلقًا بلا حدود، وجعل آخرون الجهل غير معتبر أصلًا فيما يتعلق بالتلبس بشيء من مظاهر الشِرك. فكان لابد من الفصل في ذلك، وبيان الفرق بين الإعذار بالجهل في أصل الدين الذي هو توحيد الله وعبادته وحده مع الالتزام الإجمالي بشريعته، وبين ما لا يمكن العلم به إلا من جهة الحجة الرسالية على التفصيل.

وكان لا بد أيضًا من بيان أن مَنْ بلغته الحجة قد يقع فيما هو كفر مما لا يعلم إلا من جهة الحجة الرسالية، تأولًا لشبهة تعرض له، فلا

ص 29

يكون كافرّا حتى يردِّ خبر الله أو أمره، لا عن شبهة بل عنادًا واستكبارًا.

ثم إنه لابد بعد ذلك من بيان حقيقة الرخصة بالتقية وحدودها وبيان الفرق بين التقية بالاستخفاء بالدين وعدم إظهاره، وبين التقية بإظهار الكفر، وأن الكفر إنما يكون بفعل ظاهر لا عن إكراه.

وبناء على ما سبق فإن الخلاف في قضية التكفير يرجع إلى الخلاف في مسألتين:

الأولى: فيما يتعلق بحقيقة الإيمان، وما يلزم عنه من الخلاف في حقيقة الكفر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت