ص 9
مقدمة الطبعة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وبعد:
فهذه هي الطبعة الثانية لهذا الكتاب، هذبت فيها بعض المواطن، وأوضحت ما رأيت أنه يحتاج إلى إيضاح، وضمنتها زيادات مهمة، وإن كان الأمر يحتاج في بعضها إلى دراسات مفصلة، نظرًا لما لوحظ في الفترة الأخيرة من انتشار أفكار كثيرة ومتناقضة، والمؤسف أن تنسب إلى أهل السنة، مع أن أصول أهل السنة في مسائل الإيمان وما يتعلق بأحكام التكفير تناقض ذلك.
ومع ما تضمنه هذا الكتاب من مناقشات، وردود على كثير من أصول الشبهات التي قامت عليها تلك الأفكار، فإن من المعلوم أن الردود التفصيلية عليها تحتاج إلى توسع وبسط وتتبع لجزئياتها، وعرضها على أصول أهل السنة في هذا الباب. ومع وجود دراسات مسددة في ذلك فإن الأمر لا يزال يحتاج إلى الكثير منها.
و إذا لم يمكن هنا استيفاء الردود على جميع تلك المخالفات على التفصيل، فإنه لا أقل من الإشارة إلى بعض القواعد والأصول المنهجية التي ينبغي التمسك بها والحرص عليها، لدرء الفتنة في هذا الأمر العظيم. ومن هذه القواعد:
1 -الوقوف مع إجماع السلف، وعدم تجاوزه أو قبول الخلاف فيه بأي حال، لأن مخالفة إجماعهم يقتضي بالضرورة تخطئتهم، وهم إنما
ص 10
أجمعوا على الأصول التي أجمعوا عليها بناء على نصوص كثيرة، فلا يمكن أن يكون إجماعهم خطأ، بل إن من يخالفهم لابد أن يكون هو الذي أخطأ، وأحدث في الدين ما ليس منه.
فإذا كان أهل السنة قد أجمعوا - مثلًا - على أن الإيمان قول وعمل، فإن من مقتضى ذلك عندهم أن الكفر قد يكون بالعمل، فلا يصح تقييد الكفر بمجرد الاعتقاد، ثم يأتي من يدعي التقرير لأحكام التكفير فيزعم أنه لا كفر إلا بالتكذيب، وينسب ذلك إلى أهل السنة، جاهلًا أن هذا مناقض لهذا الأصل.
كما أنه يلزم عن هذا الأصل تكفير التارك لجنس العمل، و أن النجاة من عذاب الكفار لا تكون إلا بالعمل، وقد نص العلماء على أن هذه هي حقيقة الفرق بين أهل السنة والمرجئة في هذا الباب، ثم يأتي من يقول إن العمل كمالي للإيمان، وإن النجاة من عذاب الكفار ممكنة بمجرد الإقرار، ولو لم يعمل أي عمل،