فهرس الكتاب
وقد أوّل بعضهم صفة الوجه أنها تعني (الثواب) وقالوا: المراد بالوجه في الآيات الثواب، أي: كل شيء يفنى إلا الثواب!
والجواب على هذا التأويل من عدة وجوه:
أولًا: إنه مخالف لظاهر اللفظ؛ فإن ظاهر اللفظ أن هذا وجه خاص، وليس هو الثواب كما مر علينا في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء سيدة نساء العالمين '.
ثانيًا: لو سلمنا أن (الوجه) يُراد به الثواب، فهل يمكن أن يوصف الثواب بهذه الصفات العظيمة: (( ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ) ) [الرحمن:27] ، هذا لا يمكن؛ لأننا لو قلنا مثلًا: ثواب المتقين ذو جلال وإكرام! فهذا لا يجوز أبدًا ولا يستقيم عقلًا، لكن الصواب أن نقول: إن الله تعالى وصف هذا الوجه بأنه ذو الجلال والإكرام.
ثالثًا: نقول للمتأولين: ما تقولون في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن لله سبعين ألف حجابًا من نور وظلمة لو كشفها عن وجهه لاحترقت سبحات وجهه ما أدرك بصره من خلقه) (287) .
فهل الثواب له هذا النور الذي يحرق ما انتهى إليه بصر الله من الخلق؟! أبدًا، لا يمكن ولا يكون.
فإذا عرفنا فساد هذا التأويل، كان الواجب علينا أن نفسر هذا الوجه بما أراده الله، وهو أنه: وجه قائم به تبارك وتعالى، موصوف بالجلال والإكرام ونعوت الجمال، يليق بجلال الله وعظمته.
فإن قلت: هل كل ما جاء من كلمة (الوجه) مضافًا إلى الله يُراد به وجه الله الذي هو صفته؟
فالجواب: هذا هو الأصل؛ كما في قوله تعالى: (( وَلا تَطْرُدْ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ) ) [الأنعام:52] . وقوله: (( وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ) ) [الليل:19-21] . وما أشبهها من الآيات.
فالأصل أن المراد بالوجه المضاف إلى الله عز وجل هو صفة من صفاته.
فإن قيل:
ما المراد بالوجه في قوله تعالى: (( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) ) [القصص:88] ؟