فهرس الكتاب
مما يقود إليه أمر التفريط والتهاون في التوحيد، الإفراط والغلو في الصالحين، وهذا الأمر من أشنع وأخطر ما يهدم جناب التوحيد، ولربما هو الباب إلى كل شرك وشر.
والغلو: مجاوزة الحد، كأن يجعل للصالحين حقًا من حقوق الله الخاصة به؛ فإن حق الله الذي لا يشاركه فيه مشارك هو الكمال المطلق، والغنى المطلق، والتصرف المطلق من جميع الوجوه، وأنه لا يستحق العبادة والتأليه أحد سواه سبحانه.
فمن غلا في أحد من المخلوقين حتى جعل له نصيبًا من هذه الأشياء فقد ساوى به رب العالمين، وذلك أعظم الشرك.
ومن رفع أحدًا من الصالحين فوق منزلته التي أنزله الله بها فقد غلا فيه، وذلك وسيلة إلى الشرك وهدم للدين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله تعالى اتخذني عبدًا قبل أن يتخذني نبيًا) (117) .
والناس في تعاملهم مع الصالحين على ثلاثة أقسام:
أهل الجفاء: الذين يهضمونهم حقوقهم، ولا يقومون بحقهم من الحب والموالاة لهم والتوقير والتبجيل.
أهل الغلو: الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله.
أهل الحق: الذين يحبونهم ويوالونهم، ويقومون بحقوقهم الحقيقية، ولكنهم يبرؤون من الغلو فيهم، وادعاء عصمتهم.
وأهل الصلاح يتبرؤون من أن يدّعوا لأنفسهم حقًا من حقوق ربهم الخاصة، كما قال تعالى عن عيسى ابن مريم: (( سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) ) [المائدة:116] وهذا ما سار عليه وانتهجه واعتقده الآل الكرام عليهم السلام.
ولنأخذ مثالًا على ذلك:
هذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قد انقسم فيه المسلمون على ثلاثة أصناف، منهم من غلا في حبه، وجعل له المنزلة المساوية لمنزلة الرب جل جلاله (118) .