معه أزليًا لا يتقدم عنه، وهذا ممتنع فإن من استلزم الحوادث يمتنع أن يكون فاعله موجبًا بذاته يستلزم معلوله في الأزل فإن الحوادث المتعاقبة شيئًا بعد شيء لا يكون مجموعها في الأول ولا يكون شيء منها أزليًا بل الأزلي هو ذاتها واحد بعد واحد الموجب بذاته الملتزم لمعلوله في الأزل لا يكون معلوله شيئًا بعد شيء سواء كان صادرًا عنه بواسطة أو بغير واسطة فإن ما كان واحدًا بعد واحد يكون متعاقبًا حادثًا شيئًا بعد شيء فيمتنع أن يكون معلولًا مقاربًا لعلته في الأزل بخلاف ما إذا قيل أن المقارن لذلك هو الموجب بذاته الذي يفعل شيئًا بعد شيء فإنه على هذا لا يكون في الأزل موجبًا بذاته ولا علة سابقة تامة فلا يكون معه في أول شيء من المخلوقات، لكن فاعليته للمفعولات تكون شيئًا بعد شيء، وكل مفعول يأخذ عنده وجود كمال فاعليته، إذ المؤثر التام الملتزم لجميع شروط التأثير لا يتخلف عنه أثره إذ لو تخلف لم يكن مؤثرًا تامًا، فوجود الأثر يستلزم وجود المؤثر التام، ووجود المؤثر التام، يستلزم وجود الأثر، فليس في الأول مؤثر تام، فليس مع الله شيء من مخلوقاته قديم بقدمه، والأول ليس هو حدًا محدودًا ولا وقتًا معينًا بل كل بتقدير العقل من الغاية التي ينتهي إليها، فالأول قبل ذلك كما هو قبل ما قدره، فالأزل لا أول له، كما أن الأبد لا آخر له، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول:"أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء"فلو قيل أنه مؤثر تام في الأزل لشيء من الأشياء لزم أن يكون مقارنًا له دائمًا، وامتنع أن يقوم بالأثر شيء من الحوداث، لأن كل حادث يحدث لا يحدث إلا إذا وجد مؤثره التام عند حدوثه، وإن كانت ذات المؤثر وموجودة قبل ذلك لكن لا بد من وجود شروط التأثير عند وجود الأثر والألزم الترجيح من غير مرجح وتخلف المعلول عن العلة التامة ووجود الممكن بدون المرجح التام وكل هذا ممتنع وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.