فهذه ثلاثة أوجه (1) : أحدها أنه يلزم الجهمية على قولهم أن يكون كل كلام خلقه الله كلامًا له إذ لا معنى لكون القرآن كلام الله إلا كونه خلقه، وكل من فعل كلامًا ولو في غيره كان متكلمًا به عندهم، وليس للكلام عندهم مدلول يقوم بذات الرب تعالى لو كان مدلول قائمًا يدل لكونه خلق صوتًا في محل والدليل يجب طرده فيجب أن يكون كل صوت يخلقه له كذلك وهم يجوزون أن يكون الصوت المخلوق على جميع الصفات، فلا يبقى فرق بين الصوت الذي هو كلام الله تعالى على قولهم والصوت الذي هو ليس بكلام.
الثاني أن الصفة إذا قامت بمحل كالعلم والقدرة والكلام والحركة عاد حكمه إلى ذلك المحل ولا يعود حكمه إلى غيره.
الثالث أنه مشتق المصدر منه اسم الفاعل والصفة المشبهة به ونحو ذلك ولا يشتق ذلك لغيره وهذا كله بين ظاهر وهو ما يبين قول السلف والأئمة أن من قال أن الله خلق كلامًا في غيره لزمه أن يكون حكم التكلم عائدًا إلى ذلك المحل لا إلى الله.
الرابع أن الله أكد تكليم موسى بالمصدر فقال"تكليمًا"، قال غير واحد من العلماء: التوكيد بالمصدر ينفي المجاز، لئلا يظن أنه أرسل إليه رسولًا أو كتب إليه كتابًا بل كلمه منه إليه.
والخامس أن الله فضل موسى بتكليمه إياه على غيره ممن لم يكلمه وقال"وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولًا"الآية، فكان تكليم موسى من وراء الحجاب، وقال"يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي"وقال"إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعد - إلى قوله - وكلم الله موسى تكليمًا"والوحي هو ما نزله الله على قلوب
(1) قوله فهذه ثلاثة أوجه، يعني ما تقدم وقد لخصها فيما يأتي وزاد عليها وجهين آخرين كان ينبغي أن يصرح بزيادتها