أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابًا. والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة تفننًا، فيقوى عزمه على هذا الزهد في الدنيا، والخروج من دواعي الهوى، وقد يكون بعض عباده يكاشف بصدق اليقين، ويرفع عن قلبه الحجاب، ومن كوشف بصدق اليقين أغني بذلك عن رؤية خرق العادات، لأن المراد منها كان حصول اليقين، وقد حصل اليقين فلو كوشف هذا المرزوق صدق اليقين بشيء من ذلك لازداد يقينًا، فلا تقتضي الحكمة كشف القدرة بخوارق العادات لهذا الموضع استغناء به، وتقتضي الحكمة كشف ذلك لآخر لموضع حاجته، وكان هذا الثاني يكون أتم استعدادًا وأهلية من الأول، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة. ثم إذا وقع في طريقه شيء خارق كان كأن لم يقع فما يبالي ولا يقنص بذلك، وإنما ينقص بالإخلال بواجب حق الاستقامة.
فتعلم هذا لأنه أصل كبير للطالبين، والعلماء الزاهدين، ومشايخ الصوفية.
فصل
كلمات الله تعالى نوعان: كلمات كونية، وكلمات دينية. فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله"أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر"وقال سبحانه (إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون) وقال تعالى (وتمت كلمات(1) ربك صدقًا وعدلًا) والكون كله داخل تحت هذه الكلمات وسائر الخوارق الكشفية التأثيرية.
والنوع الثاني الكلمات الدينية وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي: أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها والعمل، والأمر
(1) وقد كتبت هذه الكلمة في المصحف هكذا (كلمت) وقرئت بالافراد