من اتبعك من الغاوين) والمخلصون هم الذين يعبدونه وحده لا يشركون به شيئًا، وإنما يعبد الله بما يأمر به على ألسنة رسله، فمن لم يكن كذلك تولته الشياطين.
وهذا باب دخل في أمر عظيم على كثير من السالكين واشتبهت عليهم الأحوال الرحمانية بالأحوال الشيطانية، وحصل لهم من جنس ما يحصل للكهان والسحرة، وظنوا أن ذلك من كرامات أولياء الله المتقين كما قد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع.
السادس أن هذه الطريقة لو كانت حقًا فإنما تكون في حق من لم يأته رسول. فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق فمن خالفه ضل. وخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم قد أمر أمته بعبادات شرعية من صلاة وذكر ودعاء وقراءة، لم يأمرهم قط بتفريغ القلب من كل خاطر وانتظار ما ينزل.
فهذه الطريقة لو قدر أنها طريق لبعض الأنبياء لكانت منسوخة بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف وهي طريق جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب إلا بطريق الاتفاق، بأن يقذف الله تعالى في قلب العبد إلهامًاينفعه، وهذا قد يحصل لك أحد ليس هو من لوازم هذه الطريق؟ ولكن التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله، ويملؤه بما يحبه الله، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله، وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله، وكذلك يخرج منه عند خوف غير الله ويدخل فيه خوف الله تعالى، وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه التوكل على الله (1) وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه، لا يناقضه وينافيه، كما قال حندب وابن عمر"تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا".
وأما الاقتصار على الذكر المجرد الشرعي مثل قول: لا إله إلا الله - فهذا قد ينتفع به الإنسان أحيانًا لكن ليس هذا الذكر وحده هو الطريق إلى الله تعالى
(1) وأبو حامد يقصد كل هذا بتصوفه وفصله في أحيائه، وقد أخطأ في بعض المسائل كالمبالغة في الزهد كاكثر العباد من السلف والخلف، والقول بالجبر كأكثر الأشعرية وهذا من خطأ العلماء الاجتهادي الذي ذكر شيخ الإسلام مسائل منه عن الصحابة والتابعين وغيرهم وعذرهم فيه بتأولهم واجتهادهم