في الكتاب والسنة ما ينطق به مع أنهم يحكون هذا عن المسلمين واليهود والنصارى، كما يوجد مثل هذا في كتب أكثر أهل الكلام المبتدع في الإسلام الذي ذمه السلف وخالفوا به الشرع والعقل. وبعضهم يحكيه إجماعًا للمسلمين، وليس معهم بذلك نقل لا عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن الكتاب والسنة، فضلًا عن أن يكون هو قول جميع المسلمين.
وبعضهم يظن أن من خالف ذلك فقد قال بقدم العالم ووافق الفلاسفة الدهرية، لأنه نظر في كثير من كتب الكلام فلم يجد فيها لا قولين: قول الفلاسفة القائلين بقدم العالم إما صورته وإما مادته، سواء قيل هو موجود بنفسه أو معلول لغيره. وقول من رد على هؤلاء من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة والكرامية الذين يقولون: إن الرب لم يزل لا يفعل شيئًا ولا يتكلم بشيء، ثم أحدث الكلام والفعل بلا سبب أصلًا.
وطائفة أخرى كالكلابية ومن وافقهم يقولون: بل الكلام قديم العين إما معنى واحد، وأما أحرف وأصوات قديمة أزلية قديمة الأعيان، ويقول هؤلاء أن الرب لم يزل لا يفعل شيئًا ولا يتكلم بمشيئته وقدرته ثم حدث ما يحدث بقدرته ومشيئته، إما قائمًا بذاته أو منفصلًا عنه عند من يجوز ذلك، وإما منفصلًا عنه عند من لم يجوز قيام ذلك بذاته.
ومعلوم أن هذا القول أشبه بما أخبرت به الرسل من أن الله خالق كل شيء وأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، فمن ظن أنه ليس للناس إلا هذان القولان وكان مؤمنًا بأن الرسل لا يقولون إلا حقًا بظن أن هذا قول الرسل ومن اتبعهم. ثم إذا طولب بنقل هذا القول عن الرسل لم يمكنه ذلك ولم يمكن لأحد أن يأتي بآية ولا حديث يدل على ذلك، لا نصًا ولا ظاهرًا، بل ولا يمكنه أن ينقل ذلك عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان.