فهرس الكتاب

الصفحة 820 من 867

الوجه الثالث عشر إن الغلط في معنى هذا الحديث هو من عدم المعرفة بنصوص الكتاب والسنة، بل المعقول الصريح، فإنه أوقع كثيرًا من النظار وأتباعهم في الحيرة والضلال، فإنهم لم يعرفوا إلا قولين قول الدهرية القائلين بالقدم. وقول الجهمية القائلين بأنه لم يزل معطلًا عن أن يفعل أو يتكلم بقدرته ومشيئته، ورأوا لوازم كل قول تقتضي فساده وتناقضه، فبقوا حائرين مرتابين جاهلين، وهذه حال من لا يحصى منهم، ومنهم من صرح بذلك عن نفسه كما صرح به الرازي وغيره.

ومن أعظم أسباب ذلك أنهم نظروا في حقيقة قول الفلاسفة فوجدوا أنه لم يزل المفعول الفاعل على فعله، وأن تقدير مفعول الفاعل مع تقدير أنه لم يزل مقارنًا له لم يتقدم الفاعل على فعله، وأن تقدير مفعول الفاعل مع تقدير أنه لم يزل مقارنًا له لم يتقدم الفاعل عليه بل هو معه أزلًا وأبدًا أمر يناقض صريح العقل. وقد استقر في الفطر أن كون الشيء المفعول مخلوقًا يقتضي أنه كان بعد أن لم يكن. ولهذا كان ما أخبر الله به في كتابه من أنه خلق السموات والأرض بما يفهم (1) جميع الخلائق أنهما حدثتا بعد أن لم يكونا، وأما تقدير كونهما لم يزالا معه مع كونهما مخلوقين له فهذا تنكره الفطر، ولم يقله إلا شرذمة قليلة من الدهرية كابن سينا وأمثاله.

وأما جمهور الفلاسفة الدهرية كأرسطو وأتباعه فلا يقولون أن الأفلاك معلولة لعلة فاعلة كما يقوله هؤلاء، بل قولهم وإن كان أشد فسادًا من قول متأخريهم فلم يخالفوا صريح المعقول في هذا المقام الذي خالفه هؤلاء. وإن كانوا خالفوه من جهات أخرى ونظروا في حقيقة قول أهل الكلام الجهمية والقدرية ومن اتبعهم فوجدوا أن الفاعل صار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا من غير حدوث شيء أوجب كونه فاعلًا، ورأوا صريح العقل يقضي بأنه إذا صار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا، فلا بد من حدوث شيء (2) وأنه يمتنع في العقل أن يصير ممكنًا بعد أن كان

(1) قوله بما يفهم الخ خير كان لا متعلق بقوله أخبر

(2) أي أوجب كونه فاعلًا على أصولهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت