[وقال في موضع آخر (1) : فقلنا قد أعظمتم على الله الفرية حتى زعمتم أنه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام التي تعبد من دون الله لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان فلما ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق، وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله بخلقه حين زعمتم أن كلامه مخلوق ففي مذهبكم قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق التكلم. وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلامًا (2) فتعالى الله عن هذه الصفة بل أنه لم يزل متكلمًا إذا شاء. ولا نقول أنه كان لا يعلم حتى خلق علمًا فعلم، ولا نقول أنه كان ولا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة ثم ساق كلامه رضي الله عنه] .
فليس مع الله شيء (3) من مفعولاته قديم معه. لا بل هو خالق كل شيء وكل ما سواه مخلوق له وكل مخلوق محدث كائن بعد أن لم يكن وإن قدر أنه لم يزل خالقًا فعالًا. وإذا قيل أن الخلق صفة كمال لقوله تعالى (أفمن يخلق كمن لا يخلق) أفلا أمكن أن تكون خالقيته دائمة وكل مخلوق له محدث مسبوق بالعدم وليس مع الله شيء قديم. وهذا أبلغ في الكمال من أن يكون معطلًا غير قادر على الفعل ثم يصير قادرًا والفعل ممكنًا له بلا سبب. وأما جعل المفعول المعين مقارنًا له أزلًا وأبدًا فهذا في الحقيقة تعطيل لخلقه وفعله، فإن كون الفاعل مقارنًا لمفعوله أزلًا وأبدًا مخالف لصريح المعقول.
فهؤلاء الفلاسفة الدهرية وإن ادعوا أنهم يثبتون دوام الفاعلية فهم في الحقيقة معطلون للفاعلية، وهي الصفة التي هي أظهر صفات الرب تعالى. ولهذا
(1) الظاهر أن هذه الجملة مدرجة في شرح الحديث نقلها صاحب الكواكب أو غيره من الموضع الآخر وقد جعلناها بين علامتين هكذا []
(2) بياض في الأصل
(3) هذا الكلام متصل بما قبل الجملة المدرجة