فهرس الكتاب
الاقتراحات بأمد طويل. فكان وقوع الارتقاء على هذا النحو دليلًا ناطقًا على أن الحكمة الإلهية لم تكترث قط بمطالب الكفار ولم تعرها أية قيمة. بل جاء الرقي في السماء ليلة المعراج مظهر تكريم بحت من الله لنبيه !. لم تنزل به الإرادة العليا على رغبة بشر، ولم يرتب على إيقاعه ما يترتب - غالبًا - على وقوع التحدي من إيمان أو كفران. بل تركت مسألة اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - أو التخلف عنه موكولة إلى المعجزة العقلية الفريدة معجزة القرآن الكريم. (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) . وقد أقسم المشركون مرة أنهم يؤمنون لدى أية معجزة مادية تقع، كما يضرع الشاب لوالده أن يرضي نوازع طفولته ثم يسمى بعدئذ رجلًا! فأبى الله إلا أن يردهم إلى أفئدتهم وأبصارهم يتعرفون بها الحق، ويثبتون بها عليه. فإن معجزات الأرض والسماء لا غناء فيها إن لم يستنير القلب والعقل بما أودع الله فيهما من نور. (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون * ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) . ويزيد هذا المعنى جلاء، قول القرآن في تصوير موقف الكافرين، وبيان ما انطوت عليه أفئدتهم وأبصارهم من عناد وغباء. (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون) . فماذا تجدي المعجزات المادية مع هؤلاء؟ ص _21 ص
وهم إنما ضلوا لاستغلاق قلوبهم وعقولهم. وهم لو تفتحت قلوبهم لاكتفوا بالقرآن آية لا تعلوها آية، ومعجزة لا تدانيها معجزة. (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها * إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ) . ص _217