فهرس الكتاب
ودعك من المطالب التي أملاها العناد والسخف من سلسلة هذه المقترحات الطويلة ثم تأمل. أتفجير ينبوع من الأرض ينظر إليه البشر على أنه عمل تنزل قوى من السماء لإتمامه؟ فما هو إذًا عمل القوى الإنسانية؟ إن المرء في طفولته يعتمد على أبيه دائمًا في جلب كل خير وإتمام كل عمل؟ أفليس من حق الأب إذا رأى ابنه جاوز الطفولة أن يضربه على يديه، ويتركه يتجشم وحده مشقة السعي، واقتحام المستقبل، وتحمل أعباء الرجولة؟ هكذا صنع الله مع عباده، لقد أرضى الإنسانية في طفولتها بألوان صارخة من الخوارق، حتى إذا اشتد عودها واستوى فكرها؛ تركها لتستخدم مواهبها الفكرية، ولتتبين الصواب والخطأ. فإما هلكت عن بينة أو نجت عن بينة. ويوم أن تعرف البشرية"العقل"في قبول دين أو رفضه، فستعرف من تلقاء نفسها كيف تستغل هذا العقل في تفجير الينابيع وتحويل رمال الصحراء إلى حدائق غناء. وهذا بعض ما طلب أعراب الجزيرة من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليصدقوا رسالته! وقد طلبوا منه أن يرقى في السماء، ولكن الله أحب أن يكشف لهم عن سقم البواعث التي توحي بهذه المطالب، وأن يثير فيهم الإيمان بإنسانيتهم المهدرة، وأن يرد الحرمة إلى عقولهم المحتقرة، وأن يعلمهم تكريم البشرية المجردة بالإيمان بنبي البشرية المبعوث لمد ضيائها وبسط روائها. ولذلك يهتف القرآن عقب هذه المقترحات. (قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا) . وقد حدث بعدئذ أن رقي النبي في السماء ليلة الإسراء بعد تقديم هذه ص _215