الصفحة 191 من 229

وعتهم الإنسانية في ذاكرتها، وسجلت لهم في صحائف الخلود ما قاموا به من أعمال جليلة. وروت للأجيال آيات مجدهم وآثار نبوغهم لتكون منه عبرة حافزة. والعظمة قدر مشترك بين ألوف من الناس، ظهروا في شتى الأعصار والأمصار ودفعهم امتيازهم المعنوي إلى اعتلاء القمة. إلا أن العظماء يتفاوتون فيما بينهم تفاوتًا بعيد المدى. ألا ترى كواكب السماء ونجومها؟ إن بعضها أكبر من الآخر ألف ألف مرة. ومع ذلك فالدراري الصغيرة ليست من الحصى والجنادل! فإذا فحصنا تواريخ العظماء، وفيهم الأنبياء من مبلغي الوحي، وفيهم الفلاسفة من قادة الفكر، وفيهم المخترعون من علماء الكون، وفيهم الزعماء من قادة الجماهير، وفيهم الأدباء من حملة القلم، وفيهم، وفيهم. فإن هذا التمحيص وما يستتبعه من موازنة وترجيح، لا يميل بقدر أحد من أولئك العظماء من الحد الذي يهوي فيه إلى منازل السوقة. العباقرة كثيرًا ما تكون العظمة امتدادًا في موهبة من مواهب النفس. بل كثيرًا ما يكون هذا الامتداد على حساب المواهب الإنسانية الأخرى. فإما أصابها بالضمور والشلل، وإما رد النواحي الأخرى من شخصية العظيم إلى مثيلاتها في سائر الناس. بل قد تكون أبعد سقوطًا وأشد ضراوة. ومن هنا لا تعدم في سيرة كل عظيم من أولئك المشهورين نقطة سوداء، وجانبًا غائمًا. ص _219

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت