فهرس الكتاب
كان (نابليون) قائدًا محنكًا مسعر حروب، ولكنه كان ساقط الخلق، فاحش العذر. كان (جاك روسو) أديبًا ثائرًا، من أعظم واضعي دساتير الحرية في العالم، ولكنه كان معوج السلوك، هزيل الشرف. وكان"بسمارك"داهية في السياسة لا يبارى، وكان كذلك كذابًا مزورًا.. وهناك من الفلاسفة والشعراء والمفكرين والمخترعين من تفجؤك في أحوالهم وأعمالهم أمور شائنة تستغرب كيف يصدر مثلها عنهم!! وهم ـ مع هذا كله ـ عباقرة؛ لأن إنتاجهم العلمي والأدبي، وتراثهم الرائع الفريد يسمو بهم فوق مستوى العامة. والذين طهرت سيرهم من هذه الشوائب، وتراهم مبرزين في ناحية، ومعتادين في ناحية أخرى، أو مرضى بما يفسد عليهم أفكارهم. فأبو العلاء الأديب الرقيق المتشائم، لو وهب معدة قوية، أو بصرًا حادًّا لكان لفلسفته اتجاه آخر غير التبرم بالدنيا، وتسخط الوجود فيها. ومن أعظم زعماء العلماء من تراه أسير عقدة نفسية، أو شذوذ جنسي، أو أثرة حادة! ومنهم المصابون بجنون العظمة وتقديس الذات، وكراهية شيء معين أو محبته؛ ولذلك تتسم حياتهم بالنقائض الموزعة على جانب مستور منهم، وجانب مكشوف للجماهير لا غبار عليه. وقد اعتبرت الحضارة الأوربية هذا التناقض شيئًا عاديًا مألوفًا. ومن ثم أباحت للعظماء أن تكون لهم شخصية مزدوجة. ورأت أن تنتفع الأمم بمواهبهم، وأن تتجاوز لهم سقطاتهم. والإنجليز يعرفون أن"نلسن"مات وهو يختلس عرض غيره، ولكنهم يغضون الطرف. ص _220