الصفحة 197 من 229

موئل البطولات من ذوي المواهب من يعيشون في عزلة قصية عن الجماهير، ويؤثرون البقاء في البرج العاجي عما تستتبعه مخالطة الناس من سخط وتبرم. ومنهم من يلقي بنفسه في معترك الحياة ومعه عدة النجاح، مع عمق النظرة، وذكاء الفكرة، والبصر النافذ إلى أدواء الشعوب وأدوايتها.. غير أنه مع هذه المواهب الجليلة ضيق العاطفة لا يألف إلا القليلين ممن هم على شاكلته في المزاج، أو ممن يتفقون معه في الأهداف. ومن العظماء من أوتي امتدادًا في شخصيته، وبسطة في مشاعره تجرف الناس إليه وتعلق القلوب به. ولسنا نقصد بهذا قوة السيطرة على العامة، والقدرة على تحريكهم وتسخيرهم، كلا، كلا. وإنما نقصد هذا النوع من العظماء الذي يلتف به أصحاب الكفايات الكبيرة، ويرمقونه بالإجلال، ويقدمونه على أنفسهم عن طواعية واختيار. ولقد ظهر أفراد قلائل من زعماء الشعوب على هذا الغرار الفذ، وتركوا في تاريخهم أثرًا لا يمحى. على أن الإنسانية لم تعرف في ماضيها الطويل ـ ولن تعرف ـ رجلًا وقره الأبطال وكرمه العظماء، وانطبعت محبته في شغاف القلوب، كما عرف ذلك في النبي الكريم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ. كان أصحاب الشجاعة في القتال يحبونه لأنه أشجع منهم حين تحمر الحدق ويشتد البأس. وكان أصحاب الحذق في السياسة والتدبير يحبونه لأنهم يرونه أكثر منهم مرونة وأرحب أفقًا. ص _225

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت