حاجة العالم إلى الله قد يشرف المهندسون والبناؤون على تشييد عمارة ضخمة، ثم ينفضون أيديهم منها، أو يموتون عنها . وتبقى العمارة بعدهم أمدًا بعيدًا ، قائمة الجدران ، مستوية الأركان . إن هذه العمارة لم تخلق من عدم، والفعلة فيها لم يزيدوا أن ضموا حجرًا حجرًا، ثم انتهى عملهم إلى هذا الحد. أما بناء هذا الكون الفسيح، وتشييد سقفه المحفوظ، وتمهيد أرضه وتهيئتها للعمران، فهو عمل آخر أساسه الإبداع من العمل المطلق. وكما أن العالم في وجوده احتاج إلى ربه، فهو في بقائه يحتاج إليه لحظة بعد لحظة. ولا توجد ذرة في الأرض ولا في السماء تستمد وجودها من ذاتها، حتى يتصور استغناؤها بنفسها، بل على العكس، هذا الوجود المفاض عليها يتلاشى ويضمحل إذا شاء مفيضه أن يحرمها منه، مثلما يتقلص الظل إذا ذهب ما يلقيه. لن يكون نهار إلا مع وجود الشمس!، ولن يكون عالم إلا مع وجود الله . ( ولله المثل الأعلى ) .. (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز ) فالعقول وما يتردد فيها من أفكار، والقلوب وما يتجدد فيها من مشاعر، والأجسام وما يتدفق فيها من دماء، وما يتحرك فيها من أجهزة وعضلات ، في كل بلد، بل في كل قارة، منذ بدء الخلق وإلى قيام الساعة، ما نعرف وما لا نعرف، إنما يقوم بقيام الله عليه، ولو شاء تركه لأصبحنا ولما وجدنا وقتًا نفكر فيه بأننا فنينا، لأننا سنكون فنينا فعلًا . إن الأرض التي تسير عليها بقدميك لا تمسك نفسها تحتك، فهي لا تشعر بك، ثم ص _041