الصفحة 18 من 58

فضرب عنق الساحر، وقال: إن كان صادقًا فليحي نفسه، وتلا قوله تعالى: {أَفَتَاتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} [الأنبياء: 3] ، فغضب الوليد إذ لم يستأذنه في ذلك، فسجنه ثم أطلقه [1]

كما روى البخاري في التاريخ الكبير بسند صحيح عن أبي عثمان: (كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانًا وأبان رأسه، فعجبنا، فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله) .

فحد الساحر القتل؛ روي ذلك عن عمر، وعثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة وجندب بن عبدالله، وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وهو قول أبي حنيفة ومالك، ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر، ووجه ذلك أن عائشة رضي الله عنها باعت مدبرة سحرتها، ولو وجب قتلها لما حل بيعها، ولأن النبي قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق» ، ولم يصدر منه أحد الثلاثة، فوجب أن لا يحل دمه. [2]

فيجاب عنه: أن الأمة لم تصنع السحر، إنما ذهبت لساحر يصنع لها السحر، أو أنها قد تكون تابت بعدها, أو أن يكون سحرها من النوع الذي بالأدوية وخفة اليد والخداع، فلم يشمل كفرًا فلا تعتبر مرتدة لتقتل.

وزاد أبو حنيفة فقال: وان قتل بسحره لم يقتل، إلا أن يتكرر ذلك منه.

ودليلنا على أنه يقتل وإن لم يتكرر منه الفعل عموم الخبر في قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) ، ولأن كل فعل أوجب القتل تكراره أوجب القتل عند ابتدائه [3]

هل يستتاب الساحر؟

عن مالك: الساحر كافر؛ يقتل بالسحر ولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق.

وللحنابلة فيه روايتان؛ إحداهما: لا يستتاب؛ لأن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول بالتوبة، والثانية: يستتاب؛ فإن تاب قبلت توبته وخلي سبيله؛ لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب، وتقبل توبته، فكذلك الساحر. وعلمه بالسحر لا يمنع توبته؛ بدليل ساحر أهل الكتاب

(1) تفسير ابن كثير، ج/1. ص/201

(2) ابن قدامة المقدسي, المغني ج8ص153

(3) القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي, الإشراف على نكت مسائل الخلاف, (م/2, ص/846)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت