الصفحة 45 من 58

ولو كان رفع المرض واجبًا لم يكن للتخير موضع، وخَصَمَه حالُ أنبياء الله المبتلين الصابرين على البلاء حين لم يتعاطوا الأسباب الدافعة له؛ مثل أيوب عليه السلام وغيره، وكذلك السلف الصالح.

ثالثها: أن الدواء لا يستيقن، بل وفي كثير من الأمراض لا يظن دفعه للمرض، إذ لو اطرد ذلك لم يمت أحد.

رابعها: أن المرض يكون له أدوية شتى، ومحال أن لا يكون له في الحلال شفاء أو دواء، والذي أنزل الداء أنزل لكل داء دواء إلا الموت، ولا يجوز أن يكون أدوية الأدواء في القسم المحرم، وهو سبحانه الرؤوف الرحيم كما جاء في الحديث المروي:"إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها" [1] .

ثم قال في موضع آخر -رحمه الله-: (والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال) .

خامسا: احتجاجهم بالقاعدة (الأصل في المنافع الإذن, وفي المضار المنع)

فالمجتهد الضال عندما يخالف عموم النصوص الصريحة من غير مسوغ شرعي من أجل مصلحة يتوهمها ليس له عليها من الله برهان فقد وقع في الخطأ العظيم؛ لأنه تحليل للحرام وتحريم للحلال، وذلك دليل على ضحالة علمه وجرأته على دين الله.

فإن هذه القاعدة ليست على الإطلاق، بل قُيدتْ بقيد, يقول الفقهاء: إن الحكم على المضار والمنافع, يكون بأدلة السمع لا بأدلة العقل، خلافًا للمعتزلة [2] ؛ لأن المصالح والمنافع نسبية يختلف اعتبارها من مجتهد لآخر، فاحتاجت لشرع من الإله يضبطها.

فالضابط هو قول الشارع، والله عز وجل قال في السحر الذي يزعم المجيزون منفعته ويحتجون لإثبات إذن التداوي به: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102] ، يقول أهل العلم: نفى الله أن يكون في السحر منفعة بأي وجه من الوجوه، فإنه ضرر محض خالص لا نفع فيه إطلاقا؛ لأن الفعل المضارع بعد النفي يدل على العموم كما حكاه بعض العلماء، فالمحرمات التي فيها شيء من النفع وفيها ضرر أكبر تحرم للضرر العظيم الذي فيها، فكيف بالذي كله ضرر؟ فإنه يحرم من باب أولى. والخمر والميسر أخبر الله أن فيهما منفعة، فالله لم ينفِ منافعهما مع رجحان إثمهما فلذلك

(1) فتاوى ابن تيمية, (م/21ص563)

(2) الدكتور محمد صدقي البورنو, الوجيز في إيضاح فواعد الفقه الكلية ص43

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت