حرما, وحرمت عموم الخبائث وكل نجس، ولكن أجيز التداوي بأبوال الإبل بالنص مع أنها مستقذرة لثبوت المنفعة الراجحة بها.
روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعًا: (إن في أبوال الإبل شفاء لذربة بطونهم) [1] .
لكن في السحر الأمر يختلف لنفي الشارع المنفعة مطلقًا؛ لأن الكفر لا توجد فيه منفعة، بل هو مفسدة عظمى للعقائد والنفوس، ولو كان فيه منفعة لنفع السحرة أنفسهم، فهؤلاء يعلمون أن الساحر ما له نصيب في الآخرة، لكنهم يطلبون به الشرف والرئاسة في الدنيا، وطالت الأزمان ولم يحصل لهم ذلك، فما نفعهم السحر كما دلت عليه أحوالهم، ولا ننكر أن الساحر قد يتحصل له بعض أغراضه لكن يعقبه الضرر عليه في الدنيا والآخرة أعظم مما حصل عليه من أغراضه.
وقال تعالى: {إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] .
يقول البعض: إن هذه الآية المقصود بها نفي فلاحهم في الآخرة، وليس المقصود نفي فلاح سحرهم في الدنيا؛ لأنهم قد يفلحون في إيقاع الضرر أو النفع، ويقول المفسرون على هذه الآية: أي لا يظفر الساحر بسحره بما طلب أين كان [2] ، والمفلح: هو الذي ينال المطلوب وينجو من المرهوب، فالساحر لا يحصل له ذلك [3] .
فالفعل في سياق النفي يدل على العموم؛ قال تعالى: (لا يفلح) أي يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب؛ قال تعالى: (حيث أتى) تأكيدًا للعموم، أي حيث توجه وسلك، وهذا أسلوب عربي معروف، يقصد به التعميم كقولهم: فلان متصف بكذا أينما كان [4] ، وإن قولهم بأن السحرة يفلحون في إيقاع الضرر والنفع فإنه مصادمة مع كتاب الله؛ لأن الأصل هو إثبات ما أثبته الله في كتابه ونفي ما نفاه. والله أثبت لهم إيقاع الضرر بعد مشيئته سبحانه فقال: {يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} [البقرة: 102] ، لكن النفع نفاه الله عز وجل فقال: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ} [البقرة: 102] ، وحقيقة النفع: لذة لا يعقبها عقاب ولا يلحقها ندامة، ونفي فلاحهم بعملهم مقيد يخرج عنه ما أثبته لهم من التفريق والأذية.
(1) ابن حجر, فتح الباري، ك الوضوء، باب أبوال الإبل, (ص/404)
(2) تفسير الطبري, سورة طه, (ص/112 ,م/16)
(3) مجموع الفتاوى ابن تيمية, (م/35, ص/171)
(4) محمد الأمين الشنقيطي, أضواء البيان, (م/4, ص/441,442.443.444) بتصرف