وللجهمية هنا سؤال ذكره أبو الحسن في كتاب [ الموجز ] وهو أن القرآن نفي الإيمان عن غير هؤلاء، كقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } [ الأنفال: 2 ] ، ولم يقل: إن هذه الأعمال من الإيمان، قالوا: فنحن نقول: من لم يعمل هذه الأعمال لم يكن مؤمنًا، لأن انتفاءها دليل على انتفاء العلم من قلبه .
والجواب عن هذا من وجوه:
/أحدها: أنكم سلمتم أن هذه الأعمال لازمة لإيمان القلب، فإذا انتفت لم يبق في القلب إيمان، وهذا هو المطلوب، وبعد هذا فكونها لازمة أو جزءًا، نزاع لفظي .
الثاني: أن نصوصًا صرحت بأنها جزء، كقوله: ( الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة )
الثالث: أنكم إن قلتم بأن من انتفى عنه هذه الأمور فهو كافر خال من كل إيمان، كان قولكم قول الخوارج، وأنتم في طرف، والخوارج في طرف؛ فكيف توافقونهم ؟ ومن هذه الأمور: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج، والجهاد، والإجابة إلى حكم اللّه ورسوله، وغير ذلك مما لا تكفرون تاركه، وإن كفرتموه كان قولكم قول الخوارج .
الرابع: أن قول القائل: إن انتفاء بعض هذه الأعمال يستلزم ألا يكون في قلب الإنسان شيء من التصديق بأن الرب حق، قول يعلم فساده بالاضطرار .
الخامس: أن هذا إذا ثبت في هذه ثبت في سائر الواجبات، فيرتفع النزاع المعنوي .
فصل
إذا عرف أن أصل الإيمان في القلب، فاسم [ الإيمان ] تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية من التصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال لوازمه وموجباته ودلائله، وتارة على ما في القلب والبدن جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلا في مسماه، وبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلامًا، وأنها تدخل في مسمى الإيمان تارة، ولا تدخل فيه تارة .