فقالوا: يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت، وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ لنا منه، وخذ له منا ليكف عنا ولنكف عنه، وليدعنا وديننا ولندعه ودينه. (ج/ص: 3/152) .
فبعث إليه أبو طالب، فجاءه فقال يا ابن أخي: هؤلاء أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليعطوك وليأخذوا منك.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عم كلمة واحدة تعطونها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم ) ).
فقال أبو جهل: نعم وأبيك، وعشر كلمات.
قال: (( تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه ) ).
فصفقوا بأيديهم ثم قالوا يا محمد: أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدًا ؟! إن أمرك لعجب.
قال: ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه، ثم تفرقوا.
قال: فقال أبو طالب: والله يا ابن أخي ما رأيتك سألتهم شططًا.
قال: فطمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول له: (( أي عم فأنت قلها أستحل لك بها الشفاعة يوم القيامة ) ).
فلما رأى حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ابن أخي والله لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي، وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعًا من الموت لقلتها، لا أقولها إلا لأسرك بها.
قال: فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بإذنه، قال فقال: يا ابن أخي والله لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها.
قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لم أسمع ) ).
قال: وأنزل الله تعالى في أولئك الرهط: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} [ص: 1-2] الآيات. وقد تكلمنا على ذلك في التفسير، ولله الحمد والمنة.