فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 83

والعقل والفطرة وإن كانا من دلائل التوحيد، إلا أنه لا تقوم الحجة على بني آدم إلا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقطع العذر، فإن قيل: إذا كان وجود الله وتعظيمه مركوزًا في الفطر، والعقول تستدل على ذلك، فعلام توقف التكليف على مجيء الرسول، وإنزال الكتاب؟ فيقال: إن الله تعالى تكرمًا منه لا يعاقب قبل بلوغ الحجة الرسالية {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ} {الأنعام:131} ؛ بل تمتنع المؤاخذة حتى يبعث إليهم الرسول، ومن حكمة ذلك أن معرفة الله وإثبات وجوده المركوز في الفطرة والعقول إجمالي لا تفصيلي، فلابد له من وحي يهديه ويرشده، ويبين له معاقد الحل والحرمة في أفعال المكلفين.

المبحث السابع

نسبة علم التوحيد

نسبة العلم هي علاقته بغيره من العلوم وصلته بها، ونسبة أي علم إلى غيره من العلوم تتردد بين أربع نسب، هي:

1-الترادف: فتطلق الأسماء المختلفة على مسمى واحد وعِلْمٍ محدد، فتختلف الأسماء وتتفق المسميات.

2-التخالف: فتتباين الأسماء والمسميات، بحيث لو نسب أحد العلمين إلى الآخر، لم يصدق على شيء مما صدق عليه الآخر.

3-التداخل: كأن يكون أحد العلمين أعم من الآخر فأحدهما داخل بتمامه في الآخر، وهو العموم والخصوص المطلق.

4-التقاطع: وهو العموم والخصوص الوجهي أو النسبي، بأن يكون كل من العلمين أعم من جهة، وأخص من جهة أخري.

وعلى ما سبق يمكن القول بأن علم التوحيد نسبته إلى سائر العلوم الشرعية هي التخالف والتباين، فهو فن مستقل بذاته، قائم بنفسه، له أصوله ومصادره، ومناهجه ومسائله، ولا يغني عنه غيره، وإن كان كالأساس لعلوم الإسلام، ولذا مال بعض العلماء إلى أن نسبته إلى غيره من العلوم أنه أصلها وما سواه فرع عنه، باعتبار أن علوم الإسلام تقوم أولًا على معرفة الله تعالى وتوحيده والتصديق ببعثة نبينا e وأمور الغيب، وهذا موضوع علم التوحيد.

ولذا قال الإمام السفاريني في منظومته:

وبعد فاعلم أن كل العلم كالفرع للتوحيد فاسمع نظمي

ولأجل هذا المعنى سماه الإمام أبو حنيفة بالفقه الأكبر.

المبحث الثامن

واضع علم التوحيد

لقد مر علم التوحيد في وضعه وتدوينه بدورين:

الأول: دور الرواية (ما قبل التدوين) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت