فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 83

ثم بدأ التصنيف في عقيدة أهل السنة حين أصبح ضرورة لابد منها لنفي تأويل المبطلين، ورد انحراف الغالين، وكان أول مدوَّن عرفناه في العقيدة -على هذا النحو- هو كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة رحمه الله (ت:150هـ) وهو ثابت النسبة إليه، حدد فيه أبو حنيفة عقائد أهل السنة تحديدًا منهجيًّا ورد فيه على المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والشيعة، واشتمل على خمسة أبواب -في أتم رواياته-: الأول في القدر، والثاني والثالث في المشيئة، والرابع في الرد على من يكفر بالذنب، والخامس في الإيمان، وفيه حديث عن الأسماء والصفات، والفطرة، وعصمة الأنبياء، ومكانة الصحابة، وغير ذلك من مباحث العقيدة.

فلو قال قائل: إن واضع علم التوحيد -بمعنى أول من وضع مؤلفًا خاصًّا في الفن من أهل السنة- هو الإمام أبو حنيفة؛ لكان صادقًا ولم يبعد عن الصواب، ولقد نسب كتاب بنفس اسم الفقه الأكبر للإمام الشافعي رحمه الله ( 33 ) (ت 204 هـ) ، إلا أن نسبة الكتاب إلى الإمام الشافعي غير موثقة.

ثم تتابع التأليف بعد أبي حنيفة في علم التوحيد ولكن بأسماء مختلفة لهذا العلم، فمن أول ذلك كتاب الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم (ت:224هـ) ، وتبعه على هذا كثيرون إلى يوم الناس هذا، كما ظهر مصطلح السنة للدلالة على ما يسلم من الاعتقادات، واشتهر ذلك زمن الإمام أحمد رحمه الله، ومن الكتب المصنفة باسم السنة، كتاب السنة لابن أبي شيبة رحمه الله (ت:235هـ) والسنن للإمام أحمد رحمه الله (ت:240هـ) وغير ذلك، ثم ظهر مصطلح التوحيد في مثل كتاب التوحيد لابن سريج البغدادي رحمه الله (ت:306هـ) ، وكتاب التوحيد لابن خزيمة رحمه الله (ت:311هـ) ، وواكب ذلك ظهور مصطلح أصول الدين، ثم ظهر التأليف باسم العقيدة أوائل القرن الخامس الهجري، واستقرت حركة التصنيف ومنهج التأليف، واستقل علم التوحيد علمًا متميزًا عن غيره بلقب ومنهج مخصوص.

المبحث التاسع

غاية علم التوحيد

وتظهر ثمرة دراسة علم التوحيد -على منهج أهل السنة والجماعة- من جهات وحيثيات كثيرة، إلا أنها تعود إلى أمرين أساسيين، الأول: باعتبار المكلف، والثاني: باعتبار العلم نفسه وعلوم الإسلام الأخرى، وما يتعلق بالمكلف يعود إلى منفعة دنيوية وأخروية، والدنيوية ترجع إلى منفعة علمية وعملية، وتفصيل هذه المنافع على النحو التالي:

أولًا: بالنسبة لحياة المكلف في الدنيا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت