فهرس الكتاب
وثمرة علم التوحيد باعتبار العلم نفسه هي حفظ هذا العلم بحفظ قواعده، وأصوله ومسائله، وفي هذا حفظ الله للدين نفسه؛ لأن العلم الشرعي دين يدان الله تعالى به، قال الإمام مالك رحمه الله تعالى:"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" ( 47 ) ، وإذا كان العلم الشرعي مطلوب الحفظ عامة، فلا شك أن علم الاعتقاد يطلب حفظه على وجه الخصوص؛ لأنه أصل لما عداه، ولأنه أول الواجبات وآخرها وألزمها على المكلف، قال ابن القيم رحمه الله:"إن العبد لو عرف كل شيء ولم يعرف ربه فكأنه لم يعرف شيئًا" ( 48 ) .
وحفظ العلم كما يكون بتعلمه يكون بتعليمه وتوريثه وبذله لطالبيه، وهذا من أفضل القرب وأعلى الرتب، وفي الحديث:"خير ما يخلف الرجل بعده ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية يبلغه أجرها، وعلم يعمل به من بعده" ( 49 ) ، قال أنس بن مالك رضي الله عنه:"بلغني أن العلماء يُسألون يوم القيامة كما تُسأل الأنبياء، يعني عن تبليغه" ( 50 ) .
-كما أن من ثمرات تعلم علم التوحيد وتعليمه تحصيل القدرة على إرشاد المسترشدين، وهداية المنحرفين، والوقوف أمام التيارات الإلحادية، والأهواء البدعية، وفي ذلك ثواب المنافحة عن الإسلام، والمدافعة عن السنة، وقد افتتح الإمام أحمد رحمه الله كتابه"الرد على الجهمية والزنادقة"بذكر أوصاف أهل العلم، فكان من جملة ما قال:"ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" ( 51 ) .
-ومن ثمرات هذا العلم إقامة ما عداه من علوم الشريعة والفروع، فإنها تتعلق بعد ذلك بالعمل،"والعلم أصل العمل، وصحة الأصول توجب صحة الفروع" ( 52 ) ، فإقامة علوم الفروع تبنى على إثبات إله عالم، مرسل للرسل، منزل للكتب، وبغير هذا العلم لا يتصور علم تفسير أو حديث أو فقه ونحو ذلك.
المبحث العاشر
مسائل علم التوحيد
"إن مسائل كل علم هي معرفة الأحوال العارضة لذات موضوع العلم" ( 53 ) ، فإذا كان تعريف علم التوحيد هو"العلم بالأحكام الشرعية العقدية، المكتسب من أدلتها المرضية، ورد الشبهات وقوادح الأدلة الخلافية"، وكان موضوع علم التوحيد هو الله تعالى، والملائكة، والرسل الكرام، وقضايا اليوم الاخر والغيبيات؛ فإن مسائله هي معرفة أحكام القضايا الاعتقادية المتعلقة بذلك كله من الوجوب والجواز والاستحالة، وما توقفت عليه تلك الأحكام لاستفادتها على منهج أهل السنة والجماعة.