فهرس الكتاب
وأخيرًا فإن هذه الخاصية لها أثرها العظيم في عصمة أهل السنة من الخطأ والزلل والانحراف والاضطراب في فهم العقيدة؛ وذلك لأنها ترجع إلى مصدر موثوق تكفَّل الله تعالى بحفظه وهو الوحي، كما أنها ضمانة لتوحيد كلمة الأمة على منهج واحد، عندما تلتقي على هذا الوحي الإلهي بما فيه من موازين لا تضطرب ولا تتأثر بالهوى والدوافع الذاتية.
ثالثًا: الغيبية:
والغيبية نسبة إلى الغيب، فالغيب هو ما غاب عن الحس بحيث لا يُرى، ولا يُشَم، ولا يُلمَس، ولا يُذاق، ولا يُسمَع؛ إذ الحواس الخمس هي نوافذ العقل وطرقه في الحصول على المعلومات، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ} {المؤمنون:78} ؛ ولذلك فإن ما غاب عن هذه الحواس لا يمكن إدراكه إلا عن طريق قياسه على المشاهد المحسوس أو بالنقل والخبر الصادق.
والغيب شرعًا يأتي لمعان، قال القرطبي -في تفسير قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} {البقرة:3} :"اختلف المفسرون في تأويل الغيب هنا، فقالت فرقة: الغيب في هذه الآية: الله سبحانه، وضعّفه ابن العربي، وقال آخرون: القضاء والقدر، وقال آخرون: القرآن وما فيه من الغيوب، وقال آخرون: الغيب: كل ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم مما لا تهتدي إليه العقول من أشراط الساعة، وعذاب القبر، والحشر، والنشر، والصراط، والميزان، والجنة، والنار، قال ابن عطية: وهذه الأقوال لا تتعارض؛ بل يقع الغيب على جميعها، وهذا هو الإيمان الشرعي المشار إليه في حديث جبريل u، حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم: فأخبرني عن الإيمان، قال:"أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"، قال: صدقت... وذكر الحديث" [13] .
ولما كان الإيمان بالغيب واحدًا من الركائز الكبرى والأصول العظمى في هذه العقيدة، حيث إن كثيرًا من أصولها وأركانها يقع في نطاق الغيب، كان من المناسب أن يبتدئ الباري I كتابه العزيز بذكر هذه الركيزة كخاصية من خواص المؤمنين اللازمة، وصفة من صفاتهم البارزة، قال تعالى: {الم - 1- ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ - 2 - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} {البقرة:1-3} .