فهرس الكتاب
والإيمان بالغيب هو أفضل الإيمان، فعن عبد الرحمن بن يزيد قال: كنا ثَمَّ عبد الله ابن مسعود جلوسًا، فذكرنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وما سبقونا به، فقال عبد الله: إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بيّنًا لمن رآه، والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط إيمانًا أفضل من إيمان بغيب، ثم قرأ: {الم - 1- ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ - 2 - الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} {البقرة:1-3} [14] .
وكما أن الإيمان بالغيب يقوم على أساس متين من الشرع، فهو يقوم كذلك على أساس متين من الفطرة والعقل، فالإيمان بالغيب نزعة فطرية عند الإنسان؛ تميزه عن سائر الحيوانات التي تشترك معه في إدراك المحسوسات.
كما أن الأمور الغيبية التي قامت عليها العقيدة غير متناقضة مع العقل، فلا يمانعها ولا يدافعها في أي مرحلة من مراحل الارتقاء العقلي والعلمي.
وإذا كان الإيمان بالغيب من خصائص المؤمنين بصفة عامة، فإن أهل السنة تميزوا -في هذا الباب- بقبول كل ما ورد على لسان الرسل الكرام من أمور الغيب إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا، وتجنب الشبهات والشكوك الناشئة عن إقحام العقول في مجال غير مجالها، يقول ابن القيم رحمه الله:"الثاني: قبول ما غاب من الحق، وهو الإيمان بالغيب الذي أخبر به الحق سبحانه على لسان رسله، من أمور المعاد وتفصيله، والجنة والنار، وما قبل ذلك من الصراط والميزان والحساب، وما قبل ذلك من تشقق السماء وانفطارها، وانتثار الكواكب، ونسف الجبال، وطي العالم، وما قبل ذلك من أمور البرزخ ونعيمه وعذابه، فقبول هذا كله إيمانًا وتصديقًا وإيقانًا هو اليقين، بحيث لا يخالج القلب فيه شبهة ولا شك ولا تناس ولا غفلة عنه، فإنه إن لم يهلك يقينه أفسده وأضعفه" [15] .
رابعًا: الشمولية: