ص -80- ... العظام لحما على مقدار ما يناسب كل عضو. ويليق بهيئته حتى يكون خلق الإنسان في أحسن تقويم وأجمله، كل ذلك التحول من حالة إلى أخرى يتم في ذلك المكان المظلم الضيق، بقدرة العليم الحكيم {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاث} (الزمر آية 6) .
ثم تحويله إلى خلق آخر مباين للخلق الأول، مباينة ما أبعدها، فقد أصبح إنسانا حيا، سميعا بصيرا، متكلما عاقلا، بعدما كان جمادا، نقلة هائلة بين النطفة الضعيفة الميتة، وبين الإنسان الحي الناطق، فلا علاقة عقلية، ولا تلازم بينهما، اللهم إلا القدرة الإلهية، التي تقول لشيء كن فيكون؟ {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ} (الروم أية 19) .
ولما كانت هذه الأطوار لخلق الإنسان، من أعظم الدلائل على القدرة الإلهية والحكمة الربانية، فقد أثنى سبحانه وتعالى على نفسه بقوله {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} .
هكذا يعرض الله تبارك وتعالى، هذا الدليل على المخاطبين بحيث لا يمكنهم إنكاره لأنه من مشاهداتهم، فمن منهم لا يعرف عن كيفية خلق الإنسان شيئا، كل واحد منهم يعلم من نفسه أنه وجد على هذه الأطوار التي ذكرها القرآن الكريم، كما يعلم ذلك عن طريق مشاهداته، لوجود أبنائه، وأبناء جنسه.
وهكذا بعد أن اتضح الدليل واستقر، وهو أنه تعالى، قادر على الإنشاء و الإيجاد من العدم، أورد قضية البعث بعد الموت في يوم القيامة، فقال: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ} أي بعد تمام خلقكم. ثم خروجكم من بطون أمهاتكم، واستيفائكم آجالكم {ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} أحياء من قبوركم، فتحاسبون على أعمالكم، وتنالون جزاءكم، قال تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ