وقال صاحب التحرير والتنوير: والأفئدة، أي العقل مقر الإدراك كله فهو الذي تنقل إليه الحواس مدركاتها، وهي العلم بالتصورات المفردة، وللعقل إدراك آخر وهو إدراك اقتران أحد المعلومين بالآخر، وهو التصديقات المنقسمة إلى البديهيات وإلى النظريات وتُسمي الكسبيات، وهذا ما غاب عن الفلاسفة حين انقسموا إلى حسيين وعقليين، فالحس مصدر من مصادر الإدراك، والعقل مركزها وهو المحمول ومصنع توظيف مدركات الحواس"."
4 -اعتني العلماء المسلمون بمسألة التحسين والتقبيح العقلين، وهي أهم إشكالية في أساس قانون القيم، فذهب المعتزلة إلى أن الحسن والقبح هما الأساس والمرجع للحكم على الشيء من الناحية الأخلاقية، وهما أيضًا أساس الأمر والنهي الشرعيين، فجعلوا الشريعة تابعة ونابعة عن موقف العقل ومؤكدة له، وليس هذا إنكارًا للوحي، بل يعني أن الوحي هو من عند الله تعالى والعقل هبة الله فلا يمكن أن يجيء الأول بما يخالف الثاني، وهذه قريبة من عبارة ابن رشد الحفيد.
وقد قال القاضي عبد الجبار المعتزلي: إن قبح القبيح وحسن الحسن من العلوم الضرورية التي يخلقها الله في الإنسان"."
وقد قال ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الأفعال حسنة في نفسها أو قبيحة، وأن العقل يدرك هذا الحسن والقبح في بعضها دون الآخر.
فقد قال ابن القيم في مدارج السالكين: إن قوله تعالى: {يَامُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} [الأعراف:157] . يؤكد أن هذا الدين الذي جاء به يأمر بما تشهد العقول الصحيحة بحسنه وينهي عما تشهد بقبحه، وإلا فلو كان كونه معروفًا ومنكرًا وخبيثًا وطيبًا إنما هو لتعلق الأمر والنهي به لكان بمنزلة أن يقول: يأمرهم بما يأمرهم به وينهاهم عما ينهاهم عنه، وأي فائدة من هذا؟
وقال: إن قبح الفواحش يدركه العقل إلا أن الشرع هو الذي يحدد العقاب". [1] "
أما الأشاعرة فجعلوا التحسين والتقبيح بالشرع فقط، فما نهي عنه الشرع العزيز فهو قبيح، وما أمر به فهو حسن.
وفي رأيي أن الأشاعرة لا ينفون الحسن والقبح العقليين، إلا أنه لا يبنون عليهما حكمًا، وهم يعترفون بالملاءمة في الحسن والمنافاة في القبح، وأن الحسن صفة كمال والقبح صفة نقص.
(1) - مدارج السالكين: 1/ 234 - 2350.