فهرس الكتاب
وقد أوحى الله اليه أنه سبحانه عز وجل سيعيدها سيرتها الأولى فتدب فيها الحياة, وتنشط الحركة وتقوم التجارة, ويزدهر نشاط الناس بالزراعة والصناعة.. صمت عزير عليه السلام قليلا وتساءل في عجب { أنّى يحي هذه الله بعد موتها} البقرة 259.
أحس عزير عليه السلام بوحدة قاتلة, ووحشيّة مميتة من هذا الصمت الذي يطوف حوله, صمت المدينة, والأشجار, وكل شيء حوله صامت لا يتحرك, وأحزنته مشاهد الدمار التي ما زالت متناثرة في الشوارع والطرقات على شكل عظام ودماء, وبقايا حياة كانت مليئة بالحيوية والبهجة, ولم يسمع عزير حوله سوى صوت الرياح تهمس في أذنيه مرة عاصفة وأخرى عليلة هادئة النسمات.
من كل هذا الجو الموحش آثر عزير أن يتخذ لنفسه مغارة في أحد الجبال المحيطة بالقدس ليقيم فيها, وحث حماره فمشى, وعند أحد البساتين توقف عزير عليه السلام وصنع لنفسه سلة ملأها عنبا وتينا, وعصر بعض العنب, وجعله معه في اناء من الجلد ليشربه.
وفي ضحى هذا اليوم دخل عزير عليه السلام مغارته الواسعة العتيدة فربط بها حماره, ووضع سلته وشرابه الى جانبه واستلقى على ظهره ليريح نفسه من العناء والتعب, وقد شغله فكرة بواحدة من الأفكار تقول: كيف تعود الى الحياة ثانية الى هذه القرية؟!
وعزير عليه السلام على علم من وحي الله أن الحياة ستعود مرة ثانية الى هذه القرية ولكنه انسان, ومازال رغم كل ذلك يقول ويردد: { أنّى يحي هذه الله بعد موتها} .
من هذا التساؤل العجيب, ومن هذا الاستطلاع وحبه المعروف عند البشر, تكون المعجزة في طريقها الى عزير عليه السلام بأمر الله عز وجل.
وظل عزير عليه السلام يقول: كيف تعود الحياة الى سائر بني اسرائيل وها هي صامتة صمت الزمن أيامي؟!
ظل عزير عليه السلام على هذه الحال, حتى أسلمه التعب والتساؤل والرغبة في المعرفة الى نوم عميق عمق الزمن الذ طال, ثقيل ثقل السنين التي مضت ولم يشعر بها عزير أبدا.
وفي نومه العميق أو في نومته الصغرى, نام نومة كبرى, لقد قبض الله روحه, ولم يعد عزير يشعر بشيء مما حوله فهو في يد العناية الالهية, تنصرف الى ما تشاء ولا رادّ لمشيئة الله لا في الأرض ولا في السماء.
العودة