فهرس الكتاب
وتذكّر كذلك لما رأى الخراب أن بختنصر لما علم بما حدث منهم عاد الى بيت المقدس, فتحصنوا بداخلها, فحاصروها حصارا شديدا, ثم قام بدك أسوارها بما يقذفه عليها من مدمّرات, حتى تهدّمت, فاندفع جيشه وخرّب المدينة, وقتل النساء والأطفال, وخربوا الدور والزروع والقرى وقتلوا وأسروا كل من وصلت اليه أيديهم.. حتى خرّبت الديار, وكثرت الدماء, وتناثرت الأشياء وهرب من هرب وأسر من أسر, وهرب منهم كم هرب الى مصر,والى مكة والى يثرب وجهات أخرى, وبقي بختنصر ليأتي على البقيّة الباقية من هدم للبيع والمعابد واحراق كل ما وقع له من نسخ التوراة, وقتل الشباب من الأسرى القادرين على حمل السلاح, واسنبقى النساء والأطفال عبيدا عنده وخدما, وغادر البلاد بعد تركها خرابا.
كل هذا تذكره عزير عليه السلام لما رأى الخراب والدمار حوله في كل مكان؛ فقد وجد أشجار الفاكهة قائمة بغير عناية, فلم تحصد منذ سنين ولم تقطف ثمارها, فهي محمّلة بالثمار الحديثة والقديمة, والأعشاب وبعض الزروع وقد تفرّقت هنا وهناك بغير انتظام, وقد كست الأرض, فتطول في مكان وتقصر في الآخر.
وسمع عزير عليه السلام عواء الذئاب بعيدا, وأصوات السباع, وبحث عن أي أثر لأي انسان فلم يجد, وظل العزير يمشي ويمشي حتى بلغ مدينة القدس ووجد بهاآثارا لمذبحة بختنصر. فعظام القتلى بقايا بالية مبعثرة, والدماء على الجدران جافة سوداء, وعشرات الألوف من الجماجم الآدميّة تدل على هول ما أنزل بختنصر ببني اسرائيل من هلاك, ورأى عزير البيوت وقد تهدمت وطمرت بالأنقاض, أما المساجد والمعابد فقد أصبحت خاوية على عروشها, مهجورة وقد ملأها التراب...
هال عزيرا عليه السلام ما شهده من مشاهد, وقد جرت أحداث بختنصر هذه وهو صبي لم يتجاوز العاشرة من عمره, ولكنه سمع فيما بعد بهذه المذابح والمعارك من الآباء لكن ما شهده كان أكبر مم اتصوّره, لم يكن يعرف أن هذه المعارك كانت عاتية فادحة الخسائر الى هذا الحد, الذي يشهده بعينيه وهو يمر بين الأنقاض والديار المهدّمة.
طاف عزير عليه السلام مدينة الأشباح, وقد شغله هذا الماضي المفجع المحزن والحاضر وما سيكون عليه المستقبل, سأل نفسه عدة أسئلة:
أتصبح هذه الأرض القفراء عامرة؟
أتصير هذه يوما من الأيام, معمورة الأسواق والندوات والمجالس, آهلة بالسكان والأطفال والنساء والبيوت؟