فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 143

كانت متعة أيوب عليه السلام تكمن في أشياء كثيرة, كانت متعته في أن يكفل أيتاما مات عنهم عائلهم, وكانت بهجته في أن يساعد بماله أرملة ذهب عنها رجلها, أو فقير أضرّ به فقره, أو عاجزا أقعده عجزه, فيشعر بالسعادة لسعادتهم ويهنأ لهنائهم, ويشكر الله على أن هيأ له كل هذه السعادة وكل هذا الهناء.

وطال الأمد بابليس دون أن يستطيع الوصول الى غايته من استمالة أيوب ببلاء لم يكن منتظرا, سرّ له ابليس وفرح فعاود مع أيوب نشاطه من جديد, ونعود الى أشهر رواية عن أيوب ومحنته فنقول:

حين يئس الشيطان من اغواء أيوب, قال لله تعالى:

يا رب ان عبدك أيوب الذي يعبدك ويقدسك لا يعبدك حبا, وانما يعبدك لأغراض.

يعبدك ثمنا لما منحته من مال وبنين, وما أعطيته من ثروة وعقار, وهو يطمع أن تحفظ عليه ماله وثراءه وأولاده, وكأن النعم العديدة التي منحتها له هي السر في عبادته, انه يخاف أن يمسها الفناء أو تزول.. وعلى ذلك فعبادته مشوبة بالرغبة والرهبة, يشيع فيها الخوف والطمع.. وليست عبادة خالصة ولا حبا خالصا.

وقد ذكرت الرواية أن الله تعالى قال لابليس:

ان أيوب عبد مؤمن خالص الايمان.. وليكون أيوب قبسا من الايمان ومثالا عاليا في الصبر.. قد أبحتك ماله وعقاره.. افعل ما تريد, ثم انظر الى ما تنتهي.

وهكذا انطلقت الشياطين فأتت على أرض أيوب وأملاكه وزروعه ونعمه ودمّرتها جميعا.. وانحدر أيوب من قمة الثراء الى حضيض الفقر فجأة.. وانتظر الشيطان أيوب.. وقال أيوب عليه السلام عن المال:

عارية لله استردها.. ووديعة كانت عندنا فأخذها, نعمنا بها دهرا, فالحمد لله على ما أنعم, وسلبنا اياها اليوم, فله الحمد معطيا وسالبا, راضيا وساخطا, نافعا وضارا, وهو الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء, ويضر من يشاء, ويذل من يشاء, ثم خرّ أيوب عليه السلام ساجدا وترك ابليس وسط دهشته المخزية.

وعاد الشيطان يقول لله تعالى:

يا رب.. اذا كان أيوب لم يقابل النعمة الا بالحمد, والمصيبة الا بالصبر, فليس ذلك الا اعتدادا بما لديه من أولاد.. انه يطمع أن يشتدّ بهم ظهره ويسترد بهم ثروته.

وتستطرد الرواية فتقول: ان الله أباح للشيطان أولاد أيوب.. فزلزل عليهم البيت الذي يسكنون فيه فقتلهم جميعا. أنبياء الله لأحمد بهجت ص 171.

وهنا قال أيوب داعيا ربه:

الله أعطى.. والله أخذ.. فله الحمد معطيا وسالبا, ساخطا وراضيا, نافعا وضارا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت