فهرس الكتاب
فهل كانأيوب بما أعطاه الله من نعم الدنيا وبهجة الحياة منعما مرفها, ينعم بجاه المال ويهنأ بخلف من البنين والبنات, ونسى كل ما عداه؟ والحق يقال عكس ذلك, فلم يكن أيوب كذلك, فلم يبخل على نفسه وعياله, وكان لا يحب كنز المال.
كان أيوب ذا مال, ولكن كانت أمواله لمن حوله قبلأن تكون لنفسه, وكان منها زكاة وهبات وعطايا كان برا بكل من حوله! يرعى غلمانه وخدمه قبل أن يرعى أهله, فلكل رجل من أتباعه زوجة ودار ومتاع, ولكل غلام مدّخر من المال.
وكان لا يطعم طعاما وهو يعلم بمكان جائع يشتهي الطعام!
وكان لسانه لا يكف عن ذكر الله والحمد والتسبيح لربه ولا يفتر جنانه عن التفكير في الله عز وجل.
وتحدث الناس عن أيوب, ولهجت ألسنتهم بالدعاء له والثناء عليه, وعمرت قلوبهم بحبه والاخلاص له! وكذلك أهل السماء من الملائكة ذكروا أيوب ذكرا حسنا.
كل هذا أغاظ ابليس, كثرة ذكر أيوب والثناء عليه, وابليس أقسم أن يغوي البشر أجمعين, وبسبب ذلك طرده ربه من الجنة جزاء عصيانه, فقال كلمته المعروفة: رب, بما أغويتني وطردتني بسبب آدم لأزينن لذريته في الأرض, ولأغوينهم أجمعين.
واستطرد ابليس قائلا: الا عبادك المخلصين.
وكان أيوب عليه السلام من عباده المخلصين.
وكانت محنة أيوب وقصة مرضه المشهورة هي محنته, ولعل أشهر ما ذكر عن هذه المحنة كانت هذه القصة التي جاء فيها:
تحدّث الملائكة,ملائكة الأرض فيما بينهم عن الخلق وعبادتهم, قال قائل منهم:
ما على الأرض اليوم خير من أيوب, هو أعظم المؤمنين ايمانا, وأكثرهم عبادة لله, وشكرا لنعمته ودعوة له.
وسمع الشيطان ما يقال... فساءه ذلك, وطار الى أيوب محاولا اغواءه, ولكن أيوب بقي, قلبه هو الصفاء لله والحب لله.
وقد كان أيوب عليه السلام محصنا بايمانه ضد وسوسة الشيطان, فما استطاع ابليس أن يغريه بشيء مما يغري به الأغنياء! وما قدر على أن يدفع به الى ما كان يدفع اليه أمثاله من الأثرياء!!
حاول ابليس عن طريق شياطين البشر أن يحرّض أيوب على ارتكاب المعاصي, فأتاه بشرذمة من الناس يزيّنون له اللهو والمجون والمتعة المحرّمة, ويدعونه الى ترك التقشف, والى التهاون في العبادة لينعم نفسه بمباهج الدنيا, ويمتعها بما أوتي من نعم وجاه ومال.
ولكن قلب أيوب كان تقيّا نقيّا, فلم يستجب لما زيّن له؛ وكانت نفسه مؤمنة ورعة, فلم تسمع ما دعيت اليه.