الله صلى الله عليه وسلم- يقول: يخرج في هذه الأمة ـ ولم يقل منها ـ قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ... الحديث [1] .
(( قال المازري: هذا من أول الدلائل على سعة علم الصحابة(رضي الله عنهم) ودقيق نظرهم، وتحريرهم الألفاظ، وفرقهم بين مدلولاتها الخفية؛ لأن لفظة مِنْ تقتضي كونهم من الأمة لا كفارًا، بخلاف ))في .. [2] .
يقرر الصحابة رضي الله عنهم في ردهم على المخالفين والمبتدعين صلة هذه البدع بالملل والديانات السابقة، مما يدل على سعة علمهم، وغزارة معرفتهم، وبُعْد أُفُقِهم، ومن ذلك: مقالة ابن عباس رضي الله عنهما: (( اتقوا هذا الإرجاء، فإنه شعبة من النصرانية ) ) [3] .
ولا غرابة في ارتباط تلك البدع بالملل الأخرى، فإن الأفكار لا تموت، ولكل قوم وارث، وأما توجيه هذا الارتباط بين النصرانية والإرجاء، الذي أشارت إليه مقالة ابن عباس فيبدو ـ والله أعلم ـ أن من القواسم المشتركة بين الطائفتين أن النصارى زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، كما ادعى المرجئة لأنفسهم ـ وكذا جميع الفساق والعصاة ـ أنهم مؤمنون كاملو الإيمان، كما يغلب على النصارى التفريط والتقصير، فلا يرون شيئًا حرامًا ولا نجسًا، ويأكلون الخبائث [4] ، وشابههم المرجئة في هذا التفريط فضيعوا الواجبات وانتهكوا المحرمات.
وقد ورث سعيد بن جبير رحمه الله هذا العمق وسعة الأفق من شيخه ابن عباس رضي الله عنهما، فقال سعيد: (( المرجئة مثل الصابئة .. ) ) [5] .
وقد حفلت مرويات الصحابة رضي الله عنهم وسيرهم بأنواع من الحوارات الهادفة والردود القوية تجاه المخالفين، نكتفي بمثال واحد مع التعليق عليه:
عن عمرو بن سلمة الهمداني، قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري، فقال: أَخَرج إليكم
(1) أخرجه مسلم.
(2) صحيح مسلم بالنووي، جـ7 ص 164.
(3) أخرجه اللالكائي، جـ3 ص631.
(4) انظر الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ1 ص31، جـ2 ص52.
(5) أخرجه: عبد الله بن الإمام أحمد في السنة، جـ1 ص324، وابن بطة في الإبانة الكبرى، جـ2 ص888.