ولا عليك أن تأتي أخي حذيفة بن اليمان فتسأله، فأتيت حذيفة بن اليمان رضي الله عنه فسألته، فقال مثل ذلك، قال: فَاتِ زيد بن ثابت، فأتيت زيد بن ثابت، فقال مثل ذلك [1] .
يظهر في ردود الصحابة رضي الله عنهم على المخالفين عمق علم الصحابة، فيقول الصحابي الكلمة أو الكلمتين التي تتضمن أنواعًا من الفوائد والعلوم، وترى في ردهم شمولية واعتدالًا في الرد فعندما يقول الفاروق عمر رضي الله عنه عن النصارى: (( أهينوهم، ولا تظلموهم؛ فلقد سبوا الله مسبة ما سّبه إياها أحد من البشر ) ) [2] .
فقول عمر: أهينوهم: من مقتضى البراءة من الكافرين، كما قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ) ) (المائدة: 51) .
فحق الكفار العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله وحده، وأن نُهِينَهُم حيث أهانهم الله تعالى، ومن يهن الله فماله من مكرم، ولذا قال عمر رضي الله عنه لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدْنِيهِم إذ أقصاهم الله [3] .
وأما قول عمر: ولا تظلموهم، فهذا مقتضى العدل والإقساط معهم، كما قال سبحانه: (( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) ) (الممتحنة: 8) .
ففرّق عمر رضي الله عنه بين حسن المعاملة مع الكفار وبغض الكفار والبراءة منهم، فلا يصح الخلط بين الأمرين، فَيُجْعَلََ العَدْلُ والإقساط مع الكفار محبة وموالاة للكفار، كما لا يصح أن يُجْعَلَ بغضهم وعداوتهم ظلمًا وتعديًا [4] .
يتبين في ردود الصحابة على المخالفين: حدة أذهانهم ودقة أفهامهم، ومما يوضح ذلك أن عطاء بن يسار لمّا سأل أبا سعيد الخدري رضي الله عنه عن الحرورية، فقال عطاء: هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم- ذكرهم، فقال أبو سعيد: لا أدري مَنْ الحرورية، ولكني سمعت رسول
(1) أخرجه، أحمد، جـ5 ص182، وأبو داود ح4699، وانظر: السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، جـ2 ص388، وأصول اللالكائي جـ3 ص612: 673.
(2) انظر إغاثة اللهفان لابن القيم ـ ت محمد عفيفي جـ2 ص 398.
(3) انظر أحكام أهل الذمة لابن القيم ـ ت: صبحي الصالح، جـ 1 ص211.
(4) انظر الفرق بين الإحسان لأهل الذمة والعداوة لهم في كتاب الفروق للقرافي، جـ3 ص 1، 15.