حال أولئك القدرية النفاة، غضب أشد الغضب، حتى قال الراوي: حتى وددت أني لم أكن سألته [1] .
ولما أُخبر ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل يكذب بالقدر، قال: دلوني عليه ـ وهو يومئذ أعمى ـ فقالوا له: ما تصنع به؟ فقال: (( والذي نفسي بيده لئن استمكنت منه لأعضن أنفه حتى أقطعه، ولئن وقعت رقبته بيدي لأدُقنّها ) ) [2] .
أن الصحابة رضي الله عنهم يَجْمَعُون في ردهم على المخالف بين العلم بالحق والعمل به، وبين الرحمة بالخلق والإشفاق عليهم، والرد على المخالف لا يكون عملًا صالحًًا مقبولًا إلا إذا أُريد به بيان الحق وإظهاره، ورحمة الخلق وهدايتهم.
فهذا أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول الحق ويرحم الخلق: فإنه لما رأي سبعين رأسًا من الخوارج وقد جزت تلك الرؤوس ونصبت على درج دمشق، فقال رضي الله عنه ـ إعلامًا بالحق ـ: سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم! كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء.
ثم قال أبو أمامة لصاحبه: إنك بأرض هم بها كثير، فأعاذك الله منهم، ثم بكى قائلا: بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام [3] .
يتجلى من خلال ردّ الصحابة على المخالف وحدة العقيدة، فقولهم في هذا الباب قول واحد لفظًا ومعنى، فلا ترى بينهم اختلافًا، وخير مثال على ذلك مارواه ابن الديلمي قائلا: أتيت أُبَيّ بن كعب، فقلت: أبا المنذر، فإنه وقع في قلبي شيء من هذا القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني، فقال: إن الله عز وجل لو عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، لو كان لك مثل جبل أحد ذهبًا أنفقته في سبيل الله، ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي عبد الله بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فسألته، فقال مثل ذلك، ثم قال ابن مسعود:
(1) أصول اللالكائي، جـ3 ص588.
(2) أصول اللالكائي جـ3 ص625، وانظر جـ3 ص669، والسنة لعبد الله بن الإمام أحمد جـ2 ص416.
(3) انظر مرويات هذه القصة في: الفتح الرباني للساعاتي، جـ23 ص 160، والسنة لعبد الله بن الإمام أحمد جـ2 ص644، وانظر: الاعتصام للشاطبي جـ71: 73 ص1، والآداب الشرعية لابن مفلح جـ2 ص24.