ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعمق هذه الأمة علمًا، وأكمل معرفة بالخير والشر، وأتم الناس فقهًا لمراتب الأعمال الصالحة، فلقد كانت لهم الجهود المباركة والمساعي المحمودة في مجاهدة المبتدعة والدفاع عن السنة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (( كان الصحابة رضي الله عنهم أعظم إيمانًا وجهادًا ممن بعدهم، لكمال معرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر؛ لما علموه من حسن حال الإسلام والإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي (( إلى أن قال: ) )وكذلك من دخل مع أهل البدع والفجور، ثم بين الله له الحق وتاب عليه توبةً نصوحًا، ورزقه الجهاد في سبيل الله، فقد يكون بيانه لحالهم، وهجره لمساويهم وجهاده لهم أعظم من غيره، قال نعيم بن حماد الخزاعي ـ وكان شديدًا على الجهمية ـ: (( أنا شديد عليهم؛ لأني كنت منهم .. ) ) [1]
ومن جهودهم الظاهرة في هذا المجال ما فعله الفاروق عمر رضي الله عنه تجاه صبيغ ـ لمّا خاض في المتشابه ـ حيث ضربه ونفاه .. وحرّق علي رضي الله عنه الغلاة القائلين بإلهيته، وجلد من فضّله على الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهماحد المفتري، وردّ عبد الله بن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم على الخوارج والقدرية .. كما حذر عمومُ الصحابة من الابتداع والإحداث في دين الله تعالى.
ومن خلال نظرات يسيرة في تلك الجهود نلمس جملة أمور، منها:
تمام الاتباع وكمال التأسي برسول الله في الردّ على المخالف، ودليل ذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه (( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- خرج ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما تفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال: مالكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم، يقول ابن عمرو: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله-صلى الله عليه وسلم- لم أشهده بما غبطت بذلك المجلس أني لم أشهده [2] . تأسى عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما برسول الله صلى الله عليه وسلم- في ذلك، فلما بلغه
(1) مجموع الفتاوى جـ10 ص 301: 303 باختصار، وانظر الفوائد لابن القيم ص101.
(2) أخرجه أحمد جـ2ص178، وابن ماجه 85، وانظر أصول اللالكائي جـ3 ص 627، وانظر اقتضاء الصراط المستقيم، جـ1 ص 138: 141.