الصفحة 40 من 42

بعض المنهزمين إزاء واقعنا الحاضر المليء بالانحرافات التي تناقض العقيدة السلفية، فقاموا (يبررون) ، و (يسوغون) ذلك الانحراف بأنواع من التأويلات المتكلفة.

كما أن الغلو في التكفير والنزعة الخارجية - في هذا العصر- كان سببًا مساعدًا في ظهور الإرجاء كنتيجة عكسية، فجاء ذلك الإرجاء رد فعل لهذا الغلو.

فإذا كان الإيمان - عند طوائف من المرجئة - هو التصديق فحسب، ففي المقابل سيكون الكفر- أو الردة - هو التكذيب فقط عند قوم آخرين، فلا يكون الشخص مرتدًا عن دين الله تعالى إلا إذا كان مكذبًا جاحدًا! فلا يكون الشخص عند هؤلاء المرجئة مرتدًا بمجرد استهزائه بالله تعالى أو رسوله - صلى الله عليه وسلم- أو دينه، كما لا يكون الشخص عندهم مرتدًا بمجرد سجوده للصنم أو إهانة المصحف!!.

فالردة عندهم مجرد اعتقاد، فلا تقع الردة بقول أو عمل!

-وسبب ثالث وهو تنحية شرع الله عز وجل في كثير من بلاد المسلمين، فلا يخفى أن وجود الولاية الشرعية سبب في حفظ الدين، فحيث تقام الحدود ومنها حد الردة فلن يتطاول زنديق مارق على دين الله تعالى لكن (من أمن العقوبة أساء الأدب) ، والله حسبنا ونعم الوكيل، ورحم الله ابن العربي عندما وصف كفر غلاة الشيعة بأنه (كفر بارد لا تسخنه إلا حرارة السيف) [1]

وإليك - أخي القارئ - واقعة تاريخية توضح المراد كما دوّنها القاضي عياض في كتابه: (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) بقوله: (وقد أفتى ابن حبيب وأصبغ بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل المعروف بـ(ابن أخي عَجَب) ، وكان خرج يومًا، فأخذه المطر، فقال: بدأ الخرّاز يرش جلوده.

وكان بعض الفقهاء بها (أي بقرطبة) : (أبو زيد) ، و (عبد الأعلى بن وهب) ، و (ابن عيسى) ، قد توقفوا عن سفك دمه، وأشاروا إلى أنه عبث من القول يكفي فيه الأدب، وأفتى بمثله القاضي حينئذ (موسى بن زياد) ، فقال (ابن حبيب) : دمه في عنقي، أيشتمُ ربًا عبدناه، ولا ننصر له؟ إنا إذًا لعبيد سوء، وما نحن له بعابدين، وبكى، ورفع المجلس إلى الأمير بها (عبد الرحمن بن الحكم) الأموي (ت282هـ) .

وكانت عجَب عمة هذا المطلوب من حظاياه (أي من أحب الزوجات لعبد الرحمن بن الحكم) ، وأُعلم باختلاف الفقهاء، فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول (ابن حبيب وصاحبه) ، وأمر بقتله،

(1) العواصم من القواصم، ص 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت