الصفحة 17 من 26

وكما قال في وصف من أحبهم الله: يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم (المائدة:54) .

والشاهد أن أهل الإيمان الحق هم من أهل التراحم والتعاطف فيما بينهم كما وصفهم الرسول - صلى الله عليه وسلم:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" (مسلم) . وهم خير الناس: حرصًا على هدايتهم، ورغبةً في إسلامهم، وسعيًا في سبيل ذلك.

* سادسًا: عدم استعجال النتائج:

للجهاد في سبيل الله، والقيام بأمره، والدعوة إليه نتائج باهرة في الدنيا، من النصر والتمكين، وحصول البركات، وامتداد الأمن، ورفع الظلم، وعلو أهل الحق، وسفول أهل الباطل، وعزة الإسلام والمسلمين، وإذلال الكفر والكافرين. ولكن هذه النتائج العظيمة لا تتحقق من أول الطريق، وقد يطول انتظارها، ويتأخر حصولها، لحكم عظيمة يريدها الله لأهل الإسلام تربيةً وتزكيةً لهم، وتطهيرًا لقلوبهم، وتعليقًا لها بالهدف الأسمى والغاية الأعظم، وهو فوز الآخرة وحصول الرضوان، وإعلاء منزلة الإيمان بحصول صنوف الابتلاءات لهم، وتحمل المشاق، وصبرهم على الأذى، قال تعالى:

{أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} (البقرة:214) ، وقال تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين} (يوسف:110) .

روى الإمام البخاري بإسناده إلى خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال:"شَكَونا إِلى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مُتَوَسّدٌ بُردَةً لَهُ في ظِلّ الكعبةِ - قلنا له: ألا تَستنصِرُ لنا, ألا تَدعو اللهَ لنا؟ قال: كان الرّجلُ فيمن قبلَكمُ يُحفَرُ له في الأرضِ فيُجعَلُ فيه, فيُجاء بالميشارِ فيوضعُ على رأسهِ فيُشَقّ باثنتَينِ, وما يَصُدّهُ ذلك عن دِينه, ويُمشَطُ بأمشاطِ الحديدِ ما دُونَ لحمهِ من عظمٍ أو عَصَب, وما يَصدّهُ ذلكَ عن دِينه. والله لَيتمّنّ هذا الأمرَ حتى يَسيرَ الراكبُ من صنعاءَ إلى حَضْرَمَوتَ لا يخافُ إِلاّ اللهَ, أوِ الذّئبَ على غَنمه, ولكنّكم تَستَعجِلون" (رواه البخاري) .

وقد أعز الله أمة الإسلام وأقر عينها بالنصر والتمكين في حياة رسولها - صلى الله عليه وسلم - فإنه لم يمت حتى دخل العرب جميعًا في دين الله أفواجًا ودانت له جزيرة العرب كلها من أقصاها إلى أقصاها، ووصلت دعوة الإسلام إلى كسرى وقيصر، والمقوقس وعظماء الأرض وأصبح الجميع على خوف ووجل ثم ساحت أمته في الأرض بعده فتحًا ودعوةً حتى أدخلوا عامة شعوب الأرض في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت