الصفحة 11 من 21

وفي نظر الباحث إن هجر مالك لمسلك الخروج المسلح إلى مسلك الإصلاح بالمشاركة السياسية كان نتيجة للأحداث السياسية في المجتمع آنذاك فقد أحدثت أضرارا بالغة بالأمة والدولة وبالدين والدعوة، فمن تلك الأضرار: تشديد الرقابة على الأمة بوجه عام وعلى العلماء بوجه خاص فأصبحت السلطة الحاكمة ترصد نشاطات العلماء وأصحاب الفكر، وتصنفهم إلى محايدين، وموالين، وأعداء.

كذلك، أحكمت السلطة الحاكمة قبضتها على الحكم، ولم تتورع في قمع مخالفيها، بل أصبح الحصار الفكري للمخالفين والتضييق عليهم، ومواجهتهم بالاعتقال والحبس أو الإعدام أبرز النشاطات الأمنية الداخلية، لذلك لعل مالكا ما كان له بد من هجر منهج معاداة السلطة الحاكمة، إلى اعتماد منهج المشاركة السياسية وسيلة للإصلاح، ولعله أدرك أن مصلحة الدين والأمة تقتضي ذلك، والمصلحة أصل من أصوله.

سابعا: موقفه من الجانب السياسي في طلب تأليف"الموطأ":

أولا: فكرة تأليف الموطأ لدى مالك وعنايته الفائقة به.

كان اتجاه العلماء الى تدوين الحديث وأقوال الصحابة والتابعين موجودا قبل مالك، قال البخاري: فأول مع جمع من ذلك الربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وغيرهما، وكانوا يصنفون كل باب على حده الى أن قام كبار أهل الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف مالك الموطأ، وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم (64) .

فالموطأ يعد أول كتاب أ لف في الجمع بين الحديث والفقه، ففتح مالك به الباب للمؤلفين في ذلك فولجوه بعده، وسلكوا طريقه، وقد امتاز مالك فيه عمن سبقوه، بانتقاء القوي من الأحاديث، كما امتاز بترتيب الكتب ووضع التراجم وحسن السياق في التأليف وترتيب التصنيف مما لم يسبقه أحد إليه، مع ما قرنه الله به من التوفيق، وحسن نية مالك في التأليف، ولذلك اشتهر الموطأ وانتشر (65) .

وذكر البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، فقال: كتب عمر بن عبد العزيز الى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء (66) .

قال ابن حجر:"ويستفاد منه ابتداء تدوين الحديث النبوي، وكانوا قبل ذلك يعتمدون على الحفظ" (67) .

وذكر ابن عبد البر أن مالكا قال: كان عمر بن عبد العزيز يكتب إلى الأمصار يعلمهم السنن والفقه، ويكتب إلى المدينه يسألهم عما مضى، وأن يعملوا بما عندهم، وكتب إلى ابن حزم أن يجمع السنن ويكتب إليه، فتوفي عمر وقد كتب ابن حزم كتبا قبل أن يبعث إليه (68) .

وورد أن أول من عمل كتابا بالمدينه على معنى الموطأ من ذكر ما اجتمع عليه أهل المدينه عبد العزيز بن عبدالله الماجشون (ت46هـ) ، ولكنه عمله كلاما بغير حديث، فأتي به مالك فنظر فيه فقال: ما أحسن ما عمل، ولو كنت أنا عملت لبدأت بالأثار ثم سددت ذلك بالكلام، فعزم مالك على تصنيف الموطأ، فعمل من كان يومئذ من العلماء الموطآت، فقيل لمالك: تتعب نفسك بهذا الكتاب وقد تشركك فيه الناس وعملوا أمثاله، فقال: أئتوني بما عملوا: فأتي بذلك، فنظر فيه ثم نبذه وقال: لتعلمن أنه لايرتفع من هذا إلا ما أريد به وجه الله، فكأنما ألقيت الكتب في الآبار، وما ذكر منها شئ بعد ذلك (69) .

فمالك كان مسبوقا إلى أصل فكرة الموطأ، لكنه سبق من سواه في منهجه فيه، حتى شهد العلماء للموطأ بما لم يشهدوا به لغيره من الموطآت، فقد كان مالك"من أشد الناس تركا لشذوذ العلم، وأشدهم انتقادا للرجال، وأقلهم تكلفا، وأتقنهم حفظا، ولذلك صار إماما (70) ، فظهر ذلك في كتابه الموطأ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت