ويدل استحسان مالك لصنيع ابن الماجشون على انغراس فكرة تأليف الموطأ في نفس مالك، من أجل حفظ علم المدينة بتدوين السنه النبوية وعلم الصحابة والتابعين، ومن أجل الاستدراك على غيره في منهج التدوين.
وقد أدرك مالك حكمة عمر بن عبد لعزيز في تكليفه أبا عمرو بن حزم بتدوين علم المدينة، وهي خوفه على السنة النبوية أن تضيع، والخوف من دروس العلم، فتعزز لدى مالك وهو إمام المدينة من غير منازع الباعث على تأاليف الموطأ.
وكان مالك يرى أن الحديث هو حديث الحجاز، فقال:؛إذا جاوز الحديث الحرمين ضعف نخاعه (71) ، فعزم على جمعه، خوف ضياعه.
وقد استفاضت شهرة مالك بإعظام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشدة اتباعه، وتثبته فيما يروي عن النبي وحرصه على معرفة أقوال الصحابة والتابعين، ومما جاء في ذلك (72) .
قال مالك:"إن هذا العلم -يعني الحديث- دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يحدث: قال فلان قال رسول الله، عند هذه الأساطين- وأشار إلى أعمدة مسجد رسوله الله - فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو أتمن على بيت مال لكان أمينا، لأنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن وفي لفظ:"ولم أترك الحديث عنهم لأنهم لم يكونوا ثقات فيما حملوا، إلا أنهم حملوا شيئا لم يعقلوه"."
وسأله بشر بن عمر عن رجل، فقال مالك: هل رأيتة في كتبي؟ فقال بشر: لا. فقال مالك: لو كان ثقة لرأيته في كتبي.
وقال الشافعي: كان مالك إذا شك في الحديث طرحه كله.
وبهذا التثبت والعناية جاء الموطأ جم النفع، قال عبد الرحمن بن مهدي والشافعي، ما كتاب بعد كتاب الله أنفع للناس من موطأ مالك بن أنس (73) وقال الشافعي:"ما كتاب بعد كتاب الله أكثر صوابا من كتاب مالك (74) ".
وقد شفع مالك حسن عمله بحسن نيته وإخلاصه لله، فقد سأل مالك يوما بعض أصحابه: ما يقول الناس في موطئي؟ فقال: الناس رجلان: محب مطر وحاسد فقير. فقال مالك إن مد بك العمر فسترى ما يراد به الله (75) .
ثانيا: طلب أبي جعفر المنصور تأليف الموطأ:
تدل الروايات التاريخية على أن أبا جعفر المنصور قد انغرست لديه فكرة توحيد القضاء في أرجاء الدولة على رأي يلزم به القضاة كافة لاسيما وأن أنباء اختلاف الأقضية الشديد قد تناهى إليه.
ومن ذلك ما جاء في رسالة ابن المقفع إلى أبي جعفر، فمما جاء فيها: ومما ينظر أمير المؤمنين فيه، اختلاف هذه الأحكام المتناقضة التي قد بلغ اختلافها أمرا عظيما في الدماء والفروج والأموال، في ستحل الدم والفرج بالحيرة وهما يحرمان بالكوفة، ويكون مثل ذلك الاختلاف في جوف الكوفة، فيستحل في ناحية منها ما يحرم في ناحية أخرى، غير أنه على كثرة ألوانه نافذ على المسلمين في دمائهم وحرمهم، حكم به قضاة جائز أمرهم وحكمهم ....
فلو رأى أمير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية والسير المختلفة فترفع إليه في كتاب ويرفع معها ما يحتج به كل قوم من سنة أو قياس ثم نظر أمير المؤمنين في ذلك وقضى في كل قضية رأيه الذي يلهمه الله ويعزم له عليه وينهى عن القضاء بخلافه وكتب بذلك كتابا جامعا عزما لرجونا أن يجعل الله هذه الأحكام المختلطة الصواب بالخطأ حكما واحدا صوابا ورجونا أن يكون في اجتماع السير اجتماع الأمر برأي أمير المؤمنين وعلى لسانه، ثم يكون ذلك من إمام إلى آخر، آخر الدهر، إن شاء الله (76) .
فابن المقفع أشار على أبي جعفر ونصحه أن يوحد عمل القضاة على رأي واحد يتنباه، وقد اتجة أبو جعفر كما اتجه قبله عمر بن عبد العزيز إلى المدينة وعلمها، فهي موطن السنه ومستقر كثير من الصحابة والتابعين، وكان أهلها لا يزالون يتناقلون سنة النبي وأقضيته، فعلمها لا يزال علما نبويا يتناقله الثقاة العدول، فيسهل جمعه، وهذا مالا يتوافر في غيرها شرفها الله.