الصفحة 13 من 21

وإذا كانت المدينة هي ما يصلح ان يتجه إليه أبو جعفر لتحقيق غايته، فإن إمامها وعالمها مالك بن أنس هو خير من يمكن أن ينتدب إلى تلك المهمة الجليلة، وهو ما فعله أبو جعفر، فما أن قدم إلى المدينة من العراق والتقى مالكا، حتى حاوره وطلب منه أن يجمع العلم ويجعله علما واحدا ليتولى أمير المؤمنين حمل الناس عليه، فوافق طلب أبي جعفر عزم مالك على تأليفه، غير أن مالكا أبدى معارضته في مسألة توحيد الأمة على رأي واحد، فاجتمع رأيهما على جمع العلم دون توحيد الأقضية.

وإن مسألة وضع كتاب واحد برأي واحد في كل مسألة ليحمل الناس عليه تكررت من الخليفة المهدي ثم من الخليفة هارون الرشيد، وفي كل مرة كان مالك يبين أن المصلحة في عدم حمل الناس على راي واحد أرجح، فمما روي في ذلك: أن المهدي قال لمالك: ضع كتابا أحمل الأمة عليه، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، أما هذا الصقع وأشار إلى المغرب، فقد كفيتكه، وأما الشام ففيهم الرجل الذي علمته، يعني الأوزاعي، وأما أهل العراق فهم أهل العراق (77) .

كذلك ورد أن مالكا قال: شاورني هارون الرشيد في ثلاثة، أن يعلق الموطأ في الكعبة، ويحمل الناس على مافية، وفي أن ينقض منبر رسوله الله -صلى الله عليه وسلم -ويجعله من جوهر وذهب وفضه، وفي أن يقدم نافع بن نعيم إماما يصلى بالناس في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: يا أمير المؤمنين، أما تعليق الموطأ في الكعبة فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع فافترقوا في البلدان، وكل عند نفسه مصيب، وأما نقض المنبر فلا أرى أن تحرم الناس أثر رسول الله -صلى الله عليه وسلم وما تقدمك نافعا يصلي بالناس فإن نافعا إمام في القراءة لا يؤمن أن تبدر منه في المحراب بادرة فتحفظ عنه. فقال: وفقك الله يا أبا عبدالله (78) .

وهذه الروايات تتعاضد في أن أصل الغرض من طلب المنصور من مالك أن يضع كتابا يدون فيه العلم ويجعله علما -أي قولا -واحدا، كان سياسيا، وهو توحيد القضاء على رأي واحد، وهو ما طلبه المهدي ثم الرشيد من مالك بعد ذلك.

وورد أن أبا جعفر المنصور قال لمالك:"ضع هذا العلم ودونه، ودون منه كتبا، وتجنب شدائد عبدالله بن عمر، ورخص عبدالله بن عباس، وشواذ عبدالله بن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة، ولنحمل الناس-إن شاء الله- على علمك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم ألايخالفوها ولا يقضوا بسواها. فقال مالك"أصلح الله أمير المؤمنين، إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر: يحملون عليه، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طي ظهورهم بالسياط، فتعجل بذلك وضعها، فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل-إن شاء الله -إلى المدينة ليسمعها منك، فيجدك قد فرغت من ذلك" (79) ."

وذكر المنذري أن أبا جعفر قال لمالك:"لم يبق في الناس أفقه مني ومنك وقد شغلتني الخلافة، فضع للناس كتابا ينتفعون به، وتجنب رخص ابن مسعود (80) ."

وفي رواية:"يا أمير المؤمنين، قد رسخ في قلوب أهل كل بلد ما اعتقدوه وعملوا به، ورد العامة عن مثل هذا عسير (81) ."

وتدل هذه الرواية على أن أبا جعفر وتقنين الأحكام الشرعية بحيث يستقر القضاء في كل مسألة خلافية على مايراه مالك.

ولعل واقع الحياة في الساحات: الفكرية، والسياسية، والفقهية، في الدولة هو الذي نشأ هذه الفكرة لدى أبي جعفر: أما الساحة الفكرية فكانت تشهد صراعات شديدة بين سائر المدارس الفكرية العقدية، معتزلة وشيعة وجهميه ومعطلة ومشبهة ... وأما الساحة الفقهية فكانت تشهد اختلافات فقهية متعددة لا تكاد مسألة فقهية تخلو في جانب من جوانبها منها، وهو ما سلف ذكره في رسالة ابن المقفع إلى ابي جعفر، ولعل الخطب قد اشتد في نظر أبي جعفر لما اشتهر أمر مخالفة أبي حنيفة لقضاة الكوفة، وانتقاده لهم وتصريحه بخطئهم إذا خالفوا رأيه مما أضاع هيبة القضاء وول د الجرأة على القضاة. ناهيك عن الفرقة التي انتشرت بين أصحاب الآراء العقدية المتباينة وأتباع المدارس الفكرية المتصارعة، والوحشة التي ظهرت وتزايدت بين أصحاب الآراء الفقهية المختلفة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت