وأما الساحة السياسية فكانت تشهد جماعات معادية للسلطة العباسية، منها الفكري ومنها المسلح، فالخوارج كانوا لا يفشلون في ثورة حتى يستأنفوا التخطيط والإعداد لثورة أخرى. والمعتزلة أصحاب فكر عقدي ينزح فكرا سياسيا ثوريا انقلابيا، بل إن فكرهم أسهم كثيرا في نظري في خدمة الدعوة العباسية ضد الأمويين. والطالبيون قد أرق خروجهم المسلح الأمويين ثم العباسيين وبعدم موافقة مالك على طلب أبي جعفر توقف الأمر عند حد الاتفاق على تأليف كتاب يحفظ السنة ويجمع علم الحجاز، فألف مالك كتابه"الموطأ".
ثامنا:- أثر أصل المصلحة في منهجه السياسي:
المصلحة في اصطلاح الاصولين هي: ما اتفق مع مقاصد الشريعة من نفع أو دفع ضرر (82) .
فالمصلحة التي بنى العلماء عليها هي المصلحة المعتبرة، وليست الملغاة ولا المرسلة عن الدليل الشرعي الذي يشهد لها، وقد أكثر الإمام مالك من الاعتماد على المصلحة المعتبرة ووضع أصحابه الضوابط لها.
وفي معرض الكلام عن أخذ الإمام مالك بالمصلحة واسترساله في ذلك، مراعيا مقاصد الشارع غير مناقض لها ولا خارج عنها، قال الشاطبي: أما قسم العادات الذي هو جار على المعنى المناسب الظاهر للعقول، فإنه استرسل فيه استرسال المدل العريق في فهم المعاني المصلحية، نعم مع مراعاة مقصود الشارع أن لا يخرج عنه ولا يناقض أصلا من أصوله (83) .
وقد برزت المصلحة دليلا شرعيا معتمدا بشكل واضح في الفكر السياسي عند مالك، ففي مقابلته وأبي حنيفة وابن أبي ذئب لأبي جعفر لم نجده قاسيا في الكلام كصاحبيه، فهما أخذا بالعزيمة، أما هو فتمسك بالرخصة، ولعله قدر أن المصلحة في الأخذ بها أعظم من المصلحة في الأخذ بالعزيمة فمدح أبا جعفر وبارك له بالخلافة ودعا له بالعون والتوفيق من الله.
وإني أرى موقف أبي حنيفة وابن أبي ذئب أبرا للذمة، وأرى موقف مالك أسلم في سبيل مصلحة الدعوة والأمة، لاسيما وأن صاحبيه قد أديا فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن موقفه كان أدعى لأن يسمع منه أبو جعفر لو طلب منه إصلاحا لبعض ما فسد، وهذا فيه مصلحة عظيمة، وأراهم جميعا قد و ف قوا من غير اتفاق في مواقفهم في تلك الجلسة مع الخليفة، فكل واحد منهم حقق مقصدا شرعيا، وذلك أن كلا من العزيمة والرخصة تحقق المصلحة في مجالها.
ولقد راعى مالك الواقع وظروفه، فالواقع يقتضي عدم الاستعداء، وإن كانت القناعة تدفع إلى القسوة، وإن ذلك ليدل على أن المصلحة أظهر ما يمكن أن يكون مستندا لمالك في موقفه ذلك.
كذلك، برزت المصلحة مؤثرة في اختياره سبيل الإصلاح ورغبته عن سبيل الخروج.
الرازي، فخر الدين، المحصول في علم أصول الفقه، ج2، ص 319، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1408هـ، العضد الايجي، شرح العضد على مختصر بن الحاجب، ج2، ص 239، المطبعة الأميرية، د. ت، العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، ج1، ص12، مكتبة الاستقامة، د. ت. الغزالي، المستضفي في علم الصول، ط1، ص 286 - 287، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1403هـ، الطوفي، شرح الأربعين النووية، ملحق برسالة المصلحة في التشريع الإسلامي، ص 211، دار الفكر.
وكانت المصلحة أيضا مستنده في دخوله على الأمراء قبل أن يتسلم منصب الرقابة عليهم، على الرغم مما أخذه الناس عليه في ذلك، وقد سبق قوله لما علم بإنكار الناس عليه"ربما استشير من لا ينبغي".
هذه نماذج من مراعاة مالك للمصلحة في سلوكه السياسي، وهي مع غيرها تدل على أن مراعاة المصلحة كانت ثابتا من ثوابت فكره السياسي.
وإن منهج مالك في الاستناد إلى المصلحة لجدير أن يترسم من قبل مدارس الفكر السياسي المعاصر والأحزاب السياسية الإسلامية في مسألة المشاركة السياسية والخطاب السياسي الإسلامي.
تاسعا:- مدى استقلاله عن شيوخه في منهج العمل السياسي.